بعد ما لقت جوزها مصاب إيناس اكتشفت إن جوزها وائل عمل حادثة كبيرة، ولقيته في أوضة الطوارئ غرقان في دمه على السرير، قبلها بست ساعات بس، وائل كان بيودعها على باب بيتهم في التجمع، وماسك شنطة سوداء ومرسوم على وشه علامات الجدية وهو بيقول أسبوع واحد في دبي يا حبيبتي، اجتماعات مع مستثمرين وشغل تقيل وممل.. هرجعلك أول ما أخلص الصفقات دي. إيناس ماردتش فورًا، فضلت تتفرج عليه وهو بيظبط ساعته، شيك جدًا وواثق في نفسه، وكأن الشغل هو كل حياته. خلي بالك من نفسك، قالتها بصوت هادي. على نص الليل، إيناس كانت واقفة في مستشفى دار الفؤاد، لسه ريحة وداعه متعلقة في هدومها، وهي شايفة الممرضة بتقص قميصه اللي غرقان دم نتيجة التصادم. مدام إيناس؟ أيوه أنا. وائل فتح عينه ببطء، وأول ما شاف إيناس، ملامحه اتغيرت وبان عليه الارتباك. إيناس... قربت منه خطوة. مش كنت في طريقك للمطار عشان دبي؟ سلمى بربشت بعينها، للحظة بان عليها التوتر، وبعدين قالت بنبرة تحدي ما تعمليش مشكلة، إحنا كنا بنخلص ورق شغل مهم ومستعجل وكان لازم نتحرك مع بعض. إيناس ميلت رأسها بهدوء. إيناس حست بحاجة جواها بتهدى، وبدأت تستوعب إنهم كانوا بيخططوا لحاجة تخص الشغل والمستقبل من غير علمها. بقالها سنين بتسمع لوم من العيلة إنها ناجحة زيادة عن اللزوم، وحماتها ليلى دايمًا تمدح في ابنها وإنه رجل أعمال عبقري، وتسأل إيناس إمتى هتبطل شغل وتهتم ببيتها. لكن الحقيقة إن وائل مكنش هو اللي بنى الكيان ده. هو مدفعش تمن الشقة، ولا أسس الشركة اللي بيتصور فيها بكل فخر، ولا هو اللي جاب العربيات ولا المظاهر اللي العيلة بتعيش فيها. إيناس هي اللي بنت كل ده بتعبها. وائل رفع إيده وهي بتترعش. ممكن نتكلم، إحنا كنا بنحاول نأمن مستقبلنا بعيد عن سيطرتك على الحسابات. الظابط قرب في اللحظة دي. يا مدام محتاجين أقوالك، وكمان العربية اللي عملت الحادثة متسجلة باسم شركتك، وفيها عجز في عهدة مالية كانت موجودة في الشنطة. وائل برّق، وسلمى سكتت خالص. من غير ولا كلمة، إيناس قلعت دبلتها وحطتها في الصينية المعدن جمب ساعة وائل المكسورة. يبقى لازم المحاسبين والشرطة يعرفوا الحقيقة كاملة. لأول مرة ليلتها، وائل بص لها بخوف حقيقي؛ لأنه عرف إن الحماية اللي كانت بتوفرها له إيناس انتهت. الصبح، عيلة وائل قلبوا أوضة المستشفى لمكان للنقاش الحاد. ليلى حماتها وصلت وحاولت تلم الموضوع وتطلّع إيناس غلطانة. دي مسائل عائلية وشغل، قالتها ليلى بحدة. مش لازم نكبر الموضوع. وبعدين بصت لإيناس ببرود واحدة زيك لازم تشكر ربنا إن وائل استحمل طريقتك دي كل ده. طول الوقت شغل، طول الوقت حسابات، لا خلفة ولا تفرغ.. الرجالة كمان بيتعبوا من القيود. إيناس هزت رأسها ببطء. كملي. سلمى حاولت تداري توترها إيه؟ هتعملي لنا محضر؟ إيناس ابتسمت ابتسامة خفيفة. وائل كان الوحيد اللي فهم قبل الكل. إيناس مش بس كانت بتدير الشركة، دي كانت عارفة كل قرش بيروح فين، ومسجلة كل التجاوزات اللي حصلت من وراها. محاولتش تجادل، ولا انفعلت. بكل بساطة لفت وخرجت من المستشفى، وسابتهم يواجهوا نتايج أفعالهم مع القانون ومع أخوها كريم. والهدوء اللي خرجت بيه ده.. كان أكتر حاجة رعبتهم. خرجت إيناس من المستشفى، والهدوء اللي كان حواليها مكنش مجرد سكوت، ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة. ركبت عربيتها وفضلت ثواني باصة قدامها، مفيش دموع، مفيش انهيار، فيه بس خطة بتترسم بدقة. فتحت موبايلها وكلمت المحامي بتاعها أستاذ عصام، افتح الملف اللي اتكلمنا فيه من شهر.. كل التحويلات، وتزوير التوقيعات اللي وائل عمله في حسابات الشركة، ابدأ الإجراءات فوراً. رجعت البيت، والبيت اللي كان دايماً مليان بصور العيلة السعيدة بقى فجأة غريب عنها. دخلت المكتب وطلعت ملف أسود كان مستخبي ورا الكتب، الملف ده فيه الحقيقة اللي وائل مكنش يتخيل إنها عارفاها؛ مش بس إنه كان بيسحب سيولة من وراها، ده كمان كان بيخطط مع سلمى إنهم يفتحوا كيان منافس بنفس أسرار شغل إيناس وعملائها. تاني يوم الصبح، المستشفى اتقلبت. وائل كان لسه بيحاول يقوم، لقى مندوب من البنك ومعاه محضر حجز على أرصدة كان فاكر إنها ملكه، واكتشف إن إيناس لغت التوكيلات العامة اللي كانت مدياها له من سنين قبل الحادثة ب 24 ساعة بس! دخلت ليلى حماتها وهي بتصوت إلحق يا وائل، إيناس رفعت قضية خيانة أمانة واختلاس، والبوليس سأل عنك في الشركة! في نفس الوقت، كريم أخو إيناس دخل الأوضة وهو وشه جايب ألوان، بص لمراته سلمى بنظرة كفيلة تنهي كل حاجة الشغل اللي كنتي بتعمليه من ورايا مع وائل كلفني نصيبي في المصنع.. إيناس اشترت أسهمي كلها عشان تسدد الديون اللي إنتو غرقتونا فيها! سلمى حاولت تتكلم، بس كريم قاطعها ورقتك هتوصلك، وإيناس مش هتنازل عن حقها في الفلوس اللي اتسحبت، يعني هتبيعي كل اللي وراكي وقدامك عشان تسددي. وائل كان قاعد على السرير، مصدوم، حاسس إن السقف بيقع فوق دماغه. مكنش متخيل إن الست اللي مابتخلفش وباردة زي ما كان بيقول، كانت شايفة كل حركة بيعملها وسايبة له الحبل لحد ما يشنق نفسه بيه. بعد أسبوع، إيناس كانت قاعدة في مكتبها الجديد، الشمس داخلة من الشباك، وصوت السكرتيرة بيقولها إن فيه صفقة جديدة تمت. رن موبايلها، كان رقم وائل.. ماردتش. بعت رسالة أرجوكي يا إيناس، أمي تعبانة، وإحنا خسرنا كل حاجة، بلاش الفضيحة، خلينا نحلها ودي. إيناس بصت للرسالة بابتسامة خفيفة، وكتبت رد واحد بس إنت قولت إن الرجالة بيتعبوا.. وأنا قررت أريحك من كل مسؤولياتك، من الشركة، ومن البيت، ومني. الحقيقة وجعتكم عشان مكنتوش متعودين عليها، بس دلوقتي وقت الحساب. قفلت الموبايل، وقامت وقفت قدام الشباك وهي حاسة لأول مرة من سنين إنها حرة. مكنتش محتاجة تصرخ عشان تاخد حقها، سكوتها وذكاءها كانوا أقوى من أي زلزال هز عيلة المنصور كلها. بعد ما بعتت الرسالة، إيناس قفلت الموبايل تماماً وطلبته من السكرتيرة إنها ما تحولش أي مكالمات من العيلة دي مهما حصل. في المستشفى، كانت الأوضة عبارة عن بركان. ليلى قاعدة بتعيط بانهيار مش على ابنها، لكن على المنظرة والوجاهة الاجتماعية اللي ضاعت في ثانية. وائل كان باصص للسقف ودموعه نازلة، مش ندم، لكن صدمة من القلم اللي خده من أكتر واحدة كان فاكر إنه كاسرها. كريم أخوها خرج من المستشفى وراح لإيناس المكتب. دخل وهو مطاطي راسه، مش قادر يحط عينه في عينها. أنا آسف يا إيناس.. أنا كنت مغيب، كنت فاكر إن مراتي بتساعدني في الشغل، مكنتش أعرف إنها بتبني قصرها على خرابة بيتي وبيتك. إيناس بصتله بهدوء، قامت من ورا مكتبها وقربت منه، حطت إيدها على كتفه يا كريم، اللي مبيشوفش من الغربال يبقى أعمى. أنا حذرتك كتير من طمع سلمى، وإنت كنت بتقول عليا بغير منها. دلوقتي المصنع بقى ملكي، وأنا مش هسيب أخويا يقع.. هترجع تديره بس ك مدير مش صاحب مال، لحد ما تثبت لي إنك اتعلمت الدرس. كريم عيط من كرمها، وعرف إن أخته الباردة هي الوحيدة اللي صانت أصله لما الكل باعه. مرت الشهور.. وائل خرج من المستشفى بعاهة مستديمة في رجله هتخليه يمشي بعكاز طول عمره، كأنها علامة تفكره باليوم اللي قرر فيه يلف ويدور من وراها. لقى نفسه مديون بمبالغ خرافية، والفيلا اللي كان بيتباهى بيها اتحجز عليها. أما سلمى، فلقيت نفسها وحيدة، كريم طلقها وطردها من البيت بشنطة هدومها، وأهلها اتبروا منها بعد الفضيحة اللي حصلت في المحاضر الرسمية بتهمة التدبير للاستيلاء على أموال شركة إيناس. في يوم، إيناس كانت في حفلة تكريم لسيدات الأعمال الناجحات. كانت لابسة فستان أسود بسيط وشياكتها تخطف العين. وهي واقفة بتستلم الجايزة، سألتها مذيعة إيه سر قوتك؟ إزاي قدرتي تتخطي أزمة شخصية وعملية في وقت واحد وبمنتهى الثبات ده؟ إيناس مسكت المايك، وبصت للكاميرا وكأنها بتوجه الكلام لشخص بعينه السر في السكوت. لما تلاقي اللي قدامك بيستهين بذكائك، سيبه يصدق كذبته لحد ما يغرق فيها. القوة مش في الزعيق ولا في دور الضحية.. القوة إنك تكوني الحقيقة الوحيدة في حياة مليانة كدابين. نزلت من المسرح وسط تصفيق حار، وطلعت برا القاعة، شمت هوا نقي، وحست إن حياتها الحقيقية لسه بتبدأ دلوقتي. تمت.