قناع الامومه

خدت مريم وجريت بيها على أقرب مستشفى خاص في التجمع، ويحيى كان بيصرخ في كرسي البيبي ورا، وأنا قلبي كان حاسس إنه هيقف من الخوف والوجع. في الطوارئ، الدكتورة ماخدتش وقت طويل عشان تأكد لي الشكوك اللي كانت بتاكل في عقلي.
بصت لي الدكتورة بأسف وقالت:بقلم منــال عــلي
“مراتك واصلة لحالة إجهاد بدني ونفسي خطيرة يا بشمهندس.. عندها جفاف شديد، حرمان حاد من النوم، وضغط عصبي مدمر. هي مين اللي كان بيراعيها في البيت؟”
لساني عجز.. معرفتش أرد عليها بـ إيه.
لأن الإجابة كانت واقفة في زوري وزي الجمر بتكويني.
أمي.. أمي هي اللي كانت مفروض “بتراعيها”.
بعد كام ساعة، لما مريم بدأت تفتح عينيها ببطء، أول حاجة عملتها وهي لسه مش واعية قوي إنها تدور على يحيى بصوت مرعوب:بقلم منــال عــلي
“يحيى فين؟ ابني فين يا طارق؟”
“معايا يا حبيبتي، يحيى كويس وجنبي.. إحنا خلاص بعدنا، مفيش حاجة هتحصل.”
أول ما سمعت كلمتي دي، انهاريت تماماً.
بكت بدموع حارقة، كأنها كانت شايلة جبل فوق كتافها وساكتة طول الأسابيع اللي فاتت. بدأت تحكي لي وهي بتترعش وصوتها بيقطع، وأنا ماسك إيدها وببوسها وعيني بتدمع. بقلم منــال عــلي
أمي كانت بتقول لها إنها خايبة.. وإنها ست فاشلة ومش وش نعمة. كانت بتزن في ودنها طول ما أنا في الشغل وتقول لها: “طارق طافح الكوته بره وشقيان عشان يرجع يلاقي بيت يفتح النفس، مش يلاقي عيلة كئيبة وواحدة ضعيفة بتعيط من الهوا.. طارق يستاهل ست بجد تسنده، مش عيلة زيك.”
مش بس كده.. أمي كانت بتاخد منها الموبايل وتخبيه بالساعات.
كانت بتقول لها: “إياكِ تشغليه وتتصلّي بيه تشتكي له وهو في وسع شغله، بلاش خيبة.”
ولما يحيى كان ينام أخيراً ومريم تحاول تغمض عينيها، كانت أمي تدخل الأوضة وتعمل دوشة متعمدة، تفتح النور بكامل قوته، أو تهز سرير البيبي عشان يصحى ويصرخ تاني!
مريم همست لي بكسرة وصوت مبحوح:
“كانت بتقول لي إن الأم الشاطرة مابتنامش وابنها ممكن يحتاجها في أي لحظة.. كانت عايزة تطلعني مجنونة قدامك يا طارق.. كانت عايزاني أنهار.”
في اللحظة دي، حسيت إن فيه شعلة جوايا انطفت.
مكانش مجرد غضب.. كان إحساس بالعار والندم الشديد. أنا اللي دخلت العدو بيتي بإيدي، وأنا اللي قدمت له مراتي وحياتي على طبق من فضة تحت مسمى “بر الوالدين” الأعمى.
في نفس الليلة، حجزت سويت في أوتيل هادي. حلف ميت يمين إننا مش هنعتب باب الشقة دي طول ما أمي لسه جواها.
بعد ما اتأكدت إن مريم ويحيى ناموا أخيراً وارتاحوا، قعدت على طرف السرير وفتحت موبايلي.. فتحت أبلكيشن كاميرات المراقبة اللي مركبها في الصالة والممر. كنا مركبينها للأمان والبيبي سبرتر، وعمري ما تخيلت إنها هتكون الشاهد الوحيد على حقيقة الوحش اللي ربتني.بقلم منــال عــلي
شوفت أمي وهي بتتحرك في الصالة زي القطة الشرسة، رايحة جاية بغل وبتكلم نفسها. بعدها شوفتها بتدخل أوضتنا.. فتحت الأدراج، وقلبت في الورق، لحد ما طلعت الملف اللي فيه شهادات الميلاد، الباسبورتات، وورق شقتنا وعقدها.
دمي اتجمد في عروقي.بقلم منــال عــلي




