المافيا تبع خادمته الممتلئة تحت المطر... وما اكتشفه عن كل جنيه كانت تنفقه غيّر الرجل الذي كانت المدينة كلها تخشاه في أول مرة قرر آدم المنشاوي أن يتتبع ندى المصري في شوارع القاهرة تحت المطر، كان يخفي مسدسًا معبأً بالرصاص أسفل معطفه. لكن مع حلول منتصف الليل... كان المسدس ملقى على المقعد المجاور داخل سيارته، بينما جلس أخطر رجل في المدينة يحدق عبر زجاج السيارة المبلل بالمطر، وعيناه تلمعان بدموع لن يعترف بها أبدًا. كان يتوقع أن يكتشف خيانة. أو حبيبًا تخفيه. أو ديونًا سرية. وربما لقاءً مع أحد الرجال الذين يحاولون إسقاطه. لكن ما رآه... كان مختلفًا تمامًا. رأى خادمته الممتلئة تعمل حتى أوشكت على الانهيار داخل مطعم شعبي صغير... ثم تعطي كل جنيه كسبته للآخرين. وما اكتشفه في تلك الليلة... لم يجعله يلتزم الصمت فحسب. بل أجبره على مواجهة الرجل الذي أصبح عليه. قبل ثلاثة أسابيع... كانت ندى المصري تكاد تكون غير مرئية داخل قصر عائلة المنشاوي. كان القصر يقف خلف بوابات حديدية ضخمة في أحد أرقى أحياء القاهرة، تحيط به أسوار مرتفعة، وكاميرات مراقبة، وحراس مسلحون يكفون لحماية سفارة كاملة. كانت الواجهات الحجرية البيضاء تلمع تحت الشمس، بينما تعكس الأرضيات الرخامية الفاخرة أضواء الثريات وكأنها مياه ساكنة. كان آدم يمتلك ثلاثة عشر جناحًا داخل القصر... لكنه لا ينام إلا في واحد. وطاولة طعام تتسع لأربعة وعشرين شخصًا... لكنه غالبًا ما كان يتناول طعامه وحيدًا. قرابة أربعين موظفًا يتحركون داخل القصر كل يوم... ومع ذلك كان المكان هادئًا إلى درجة أنه أحيانًا يستطيع سماع صوت عقارب الساعات القديمة من غرفتين بعيدتين. كانت ندى واحدة من تسع عاملات نظافة. تصل كل صباح قبل السادسة. تربط شعرها الأسود في كعكة بسيطة. وترتدي زيًا رماديًا لم يكن يناسب جسدها الممتلئ تمامًا. كانت في الثانية والثلاثين من عمرها، هادئة الطباع، وأكثر امتلاءً من بقية العاملات. وكان ذلك وحده سببًا كافيًا ليجعلها هدفًا للسخرية. في أحد الصباحات قالت عاملة شابة تُدعى ريم وهي تضحك خلي بالك من العربية... إحنا مش ناقصين حاجتين يقفلوا الطرقة. ضحك بعض الموظفين. أبعدت ندى عربة المفروشات جانبًا وقالت بهدوء حقكم عليا. كانت تعتذر... حتى عندما لا تكون مخطئة. إذا ترك أحدهم أكواب القهوة متسخة داخل غرفة الضيوف... كانت تنظفها هي. وإذا نسي عمال المطبخ إعادة ملء أحد الأدراج... تبقى بعد انتهاء دوامها لتنجز الأمر. وإذا تمزق كم زي إحدى العاملات... كانت تجده في اليوم التالي داخل خزانتها بعد أن خاطه أحدهم يدويًا. لم يسأل أحد من فعل ذلك. فالطيبة... يسهل تجاهلها عندما تصدر من شخص قرر الجميع مسبقًا أنه لا يستحق الاهتمام. أما مديحة هانم، كبيرة المشرفات... فكانت تعامل ندى بازدراء واضح. عملت مع عائلة المنشاوي ثمانية عشر عامًا. وكانت تتصرف وكأن سلطتها وسام عسكري. تحكم العاملات بالإهانة والخوف. في أحد الأيام أشارت إلى مرآة لامعة وقالت لندى نسيتي بصمة هنا. اقتربت ندى. ثم قالت بهدوء مش شايفة حاجة يا مدام. اشتدت نظرة مديحة. إنتِ بتراجعيني؟ لا يا فندم. يبقى امسحيها تاني. وبدون كلمة... أعادت ندى تنظيف المرآة كاملة. كان آدم يشاهد كل ذلك من شرفة الطابق الثاني وهو في طريقه إلى مكتبه. لكنه... لم يتدخل. كان يقنع نفسه أن مشاكل العاملين مسؤولية مديحة. أما هو... فمشغول بالصفقات، والرجال الذين يبتسمون له وهم يخططون لقتله. عاملة نظافة تُعامل بظلم... لم تكن تبدو مشكلة تستحق اهتمامه. هكذا كان يكذب على نفسه. أما الحقيقة... فكانت أبسط. لقد اعتاد أن يدير وجهه عن الظلم. ورث آدم المنشاوي عن والده أكثر من المال. ورث إمبراطورية إجرامية تمتد بين المحافظات. وشركات قانونية تخفي أعمالًا غير قانونية. وسمعة صنعتها ثلاثة أجيال من الدم والعنف. وفي الثامنة والثلاثين... كان اسمه يُذكر همسًا. لم يكن يرفع صوته. ولا يكرر تهديده مرتين. حتى الرجال الأكبر منه سنًا... كانوا يخفضون أبصارهم عندما يدخل الغرفة. لكن ندى... لم تبدُ خائفة منه يومًا. كانت محترمة بالطبع. الجميع كانوا كذلك. لكن عندما تدخل مكتبه بالقهوة... لم تكن يداها ترتجفان. وعندما تمر بجواره في الممر... كانت تمنحه الابتسامة نفسها التي تمنحها للبستاني أو لسائق شركة التوصيل. لم تكن تحاول التقرب منه. ولا تطمع في شيء. كانت فقط... طيبة بلا مقابل. وذلك وحده... كان أكثر ما أثار شكوك رجل يؤمن أن لكل تصرف ثمنًا. وفي أحد أيام الثلاثاء... لفتت انتباهه لأول مرة. كانت عاملة شابة تُدعى سارة تحمل مزهرية خزفية ثمينة من المكتبة. لكن قدمها علقت بطرف السجادة. وانزلقت المزهرية من يدها. وتحطمت على الرخام بصوت دوى كطلقة رصاص. تجمد الجميع. كانت المزهرية تخص جدة آدم. ومن الأشياء القليلة داخل القصر التي تحمل قيمة عاطفية بالنسبة له. وقفت سارة شاحبة الوجه. وأسرعت مديحة تصرخ إنتِ عارفة عملتي إيه؟ همست سارة وهي تبكي والله غصب عني... قالت مديحة ببرود قبل المغرب هتكوني مفصولة. بدأت سارة تبكي. كانت في التاسعة عشرة، وترسل أغلب راتبها لوالدتها المريضة. وقبل أن ينطق آدم بكلمة... تقدمت ندى وقالت الغلط غلطتي أنا. ساد الصمت. التفتت إليها مديحة. بتقولي إيه؟ قالت ندى أنا اللي طلبت منها تساعدني... وكان المفروض أنا اللي أشيلها. كان آدم يشاهد من أعلى السلم. وكان يعرف... أنها تكذب. فهي لم تقترب أصلًا من المزهرية. نظرت إليها سارة بصدمة. أما مديحة فابتسمت بشماتة. يبقى هتنضفيها... وثمنها هيتخصم من مرتبك. هزت ندى رأسها. حاضر يا فندم. كان من المفترض أن يتدخل آدم فورًا. لكنه ظل واقفًا يشاهدها وهي تركع على الأرض، تجمع قطع الخزف واحدة تلو الأخرى. لقد حمت فتاة لا تملك ما تقدمه لها. ولم يكن في الأمر أي مصلحة. وظل ذلك المشهد يطارده طوال اليوم. وفي السابعة مساءً... دخل مدير الأمن حسام إلى مكتب آدم وهو يحمل التقرير اليومي. سأله آدم في حاجة جديدة؟ قال حسام مفيش حاجة خطيرة... لكن في موظفة تحركاتها غريبة. رفع آدم رأسه. مين؟ ندى المصري. ووضع أمامه سجل الكاميرات. بتخلص شغلها حوالي الساعة ستة... تخرج من بوابة العاملين... وترجع بين نص الليل والواحدة. قطب آدم حاجبيه. ترجع؟ قال حسام أيوه... هي ساكنة في أوضة فوق مبنى الخدمات القديم داخل القصر. قالوا إنها إقامة مؤقتة... لكنها بقالها تمانية شهور هناك. سأل آدم وهو يحدق في التقرير بتروح فين كل ليلة؟ يتبع... حكايات_ميرااا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا كان حسام ما زال واقفًا أمام المكتب عندما قال آدم بهدوء من النهارده... محدش يراقبها غيري. رفع حسام حاجبيه بدهشة. حضرتك بنفسك؟ أغلق آدم الملف وقال بنبرة أنهت الحديث نفذ اللي قولته. في اليوم التالي... انتهى دوام ندى كعادته مع السادسة مساءً. بدّلت زي العمل، وارتدت عباءة سوداء قديمة، وحملت حقيبة قماش باهتة، ثم خرجت من بوابة العاملين وهي تمشي بسرعة. بعد دقائق... كانت سيارة سوداء فاخرة تتحرك على مسافة بعيدة خلفها. داخل السيارة... جلس آدم يقود بنفسه. من دون حراس. ومن دون سائق. لأول مرة منذ سنوات. مرت ندى بشوارع مزدحمة، ثم دخلت أحد الأحياء الشعبية القديمة. توقفت أمام مطعم صغير لا تتجاوز مساحته عدة أمتار. كانت اللافتة مكتوبًا عليها مطعم عم صابر. نزل صاحب المطعم، رجل في الستين من عمره، وما إن رآها حتى ابتسم. اتأخرتي النهارده يا بنتي. ابتسمت ندى. كان عندي شغل زيادة. ربطت مريلتها، وغسلت يديها، وبدأت تعمل. كانت تغسل الأطباق... تمسح الطاولات... تستقبل الزبائن... وتحمل أواني الطعام الثقيلة، رغم الإرهاق الذي بدا واضحًا على وجهها. نظر آدم من داخل سيارته باستغراب. هي عندها وظيفتين؟ ظل يراقبها ثلاث ساعات كاملة. لم تجلس خلالها إلا دقائق معدودة. وعند الحادية عشرة إلا ربعًا... أعطاها عم صابر ظرفًا صغيرًا. عدّت النقود بسرعة. ثم وضعته في حقيبتها. قال آدم لنفسه أخيرًا... هنعرف بتعمل بإيه الفلوس. لكنه فوجئ بها لا تعود إلى القصر. بل اتجهت سيرًا على الأقدام نحو شارع جانبي مظلم. توقفت أمام عمارة قديمة متهالكة. صعدت إلى الطابق الثاني. بعد دقائق. .. خرجت امرأة مسنة على كرسي متحرك. وضعت ندى كل المال في يدها. سمعها آدم تقول دي إيجار الشهر يا خالة أمينة... ومتقلقيش على العلاج. بكت السيدة. وأنتِ هتعيشي بإيه يا بنتي؟ ضحكت ندى برقة. ربنا كبير. تراجع لمحة نيوز آدم في مقعده. يمكن دي قريبتها. لكنه قرر أن يكمل المتابعة. خرجت ندى مرة أخرى. وسارت عشر دقائق. ثم دخلت صيدلية. اشترت أكياس أدوية كثيرة. خرجت منها واتجهت إلى منزل صغير. فتح الباب طفل لا يتجاوز العاشرة. قفز فرحًا وهو يهتف خالتو ندى! ركعَت أمامه وربتت على شعره. ماما عاملة إيه؟ خرجت امرأة شاحبة الوجه من الداخل. بدت عليها آثار جلسات العلاج الكيماوي. ناولتها ندى الأدوية. الدكتور قال مينفعش تأخري الجرعة. همست المرأة بخجل أنا هرجعلك الفلوس أول ما... قاطعتها ندى مبتسمة. أنا جيت أزورك... مش أطالبك بحاجة. شعر آدم بشيء ثقيل ينقبض داخل صدره. لكنه لم يكن يعرف... أن أصعب ما سيراه في تلك الليلة... لم يكن قد جاء بعد خرجت ندى من البيت الصغير بعد دقائق. كانت الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا. والمطر بدأ ينزل بغزارة. لفت شالها القديم حول كتفيها، وأكملت طريقها وكأنها لا تشعر بالبرد. ظل آدم يتبعها بسيارته ببطء. ثم توقفت فجأة أمام مبنى قديم يحمل لافتة باهتة دار الرحمة لرعاية الأطفال. أطفأت الأنوار في معظم الغرف، لكن نافذة واحدة في الطابق الأرضي كانت لا تزال مضاءة. طرقت ندى الباب برفق. فتحت لها سيدة خمسينية، وما إن رأتها حتى ابتسمت بحرارة. الحمد لله إنك جيتي يا بنتي... الأولاد مستنيينك. دخلت ندى، بينما بقي آدم يراقب من خلف سور الدار. وبعد لحظات... سمع ضحكات أطفال. ضحكات صافية، لم يسمع مثلها منذ سنوات. اقترب أكثر دون أن يشعر. ومن خلال النافذة... رأى ندى تخرج من حقيبتها أكياسًا من الطعام، وعلب عصير، ودفاتر جديدة، وأقلامًا ملونة. ثم جلست على الأرض وسط الأطفال. طفلة صغيرة احتضنتها بقوة وهي تقول كنتي هتتأخري علينا؟ ضحكت ندى وهي تمسح شعرها. أسيبكم برضه؟ نظر آدم إلى المشهد في صمت. ثم همس لنفسه كل ده... من مرتبها؟ لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد دقائق. اقتربت مديرة الدار من ندى، وأخرجت دفترًا صغيرًا. قالت بصوت خافت لسه باقي مبلغ العملية. أخرجت ندى الظرف الذي قبضته من المطعم قبل ساعة. فتحته... وأخرجت آخر جنيه كان بداخله. ناولته للمديرة. ارتبكت المرأة. طب وإنتِ؟ ابتسمت ندى ابتسامة هادئة. أنا هتصرف. يا بنتي، سيبي لنفسك حاجة. هزت رأسها برفق. الولد أهم. سأل آدم نفسه أي ولد؟ وفي اللحظة التالية... خرج صبي في الثانية عشرة تقريبًا من إحدى الغرف. كان أصلع الرأس، وملامحه شاحبة من آثار العلاج. ركض نحو ندى وهو يبتسم. خالتي... الدكتور قال العملية الأسبوع الجاي. انحنت ندى وربتت على كتفه. إن شاء الله هتقوم أحسن من الأول. احتضنها الطفل بقوة. أما آدم... فشعر بشيء يتحطم داخله. لقد أمضى سنوات ينفق الملايين على سيارات وساعات وقصور... بينما هذه المرأة، التي كان يظنها تخفي سرًا خطيرًا... كانت تعمل وظيفتين، ثم تمنح كل ما تكسبه لأشخاص لا تربطها بهم أي صلة دم. وفي تلك اللحظة... رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. كان المتصل شريكه فارس. رد بصوت منخفض. خير؟ جاءه صوت فارس متوترًا آدم... عندنا مشكلة كبيرة. إيه حصل؟ وصلتنا معلومة إن في حد من رجالتك بيبيع تحركاتك لعدوك. تجمدت ملامح آدم. ثم نظر مرة أخرى إلى ندى وهي تودع الأطفال بابتسامة صادقة. وأدرك لأول مرة... أنه كان يراقب الشخص الخطأ طوال الوقت. يتبع...أغلق آدم الهاتف ببطء. لكن كلمات فارس ظلت تتردد في رأسه. في حد من رجالتك بيبيع تحركاتك... نظر إلى ندى للمرة الأخيرة وهي تخرج من دار الرحمة، ثم أدار محرك السيارة وعاد إلى القصر. طوال الطريق... لم ينطق بكلمة. ولأول مرة منذ سنوات... لم يكن يفكر في صفقة، أو سلاح، أو انتقام. كان يفكر في امرأة لا تملك إلا القليل... ومع ذلك تعطيه كله. في صباح اليوم التالي... دخل آدم قاعة الطعام كعادته. وقف جميع العاملين في أماكنهم. أما ندى... فكانت ترتب فناجين القهوة بهدوء، وكأن الليلة الماضية لم تحدث. قال آدم وهو ينظر إليها ندى. رفعت رأسها بسرعة. أفندم يا باشا؟ صمت لثوانٍ. ثم قال بعد الفطار... عايزك في مكتبي. تبادلت العاملات النظرات. أما مديحة... فابتسمت بخبث. كانت متأكدة أن ندى ستُطرد. بعد نصف ساعة... طرقت ندى باب المكتب. اتفضل. دخلت وهي تخفض رأسها. حضرتك طلبتني؟ أشار آدم إلى الكرسي أمامه. اقعدي. ارتبكت. أنا أفضل واقفة. قال بهدوء دي مش أوامر شغل... اقعدي. جلست على استحياء. فتح آدم درج مكتبه. وأخرج ظرفًا أبيض سميكًا. وضعه أمامها. ده مكافأة. نظرت إليه دون أن تلمسه. مكافأة على إيه؟ على شغلك. هزت رأسها. أنا باخد مرتبي يا باشا... وده كفاية. رفع حاجبه بدهشة. بترفضي؟ ابتسمت بخجل. في ناس محتاجة الفلوس دي أكتر مني. ساد الصمت. ثم سألها مباشرة كل ليلة... بتروحي فين؟ تغير لون وجهها. حضرتك... عرفت؟ عرفت. تنهدت ندى وقالت بصوت خافت أرجوك... متخصمش من مرتبي. قطب آدم حاجبيه. أخصم ليه؟ لأني بشتغل بعد الشغل... وأنا كنت ساكنة هنا إقامة مؤقتة... خفت تعتبروا ده مخالفة. نظر إليها طويلًا. ثم قال ليه بتساعدي كل الناس دي؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت لأن زمان... لما أمي كانت مريضة، محدش وقف جنبنا. ووعدت نفسي... أول ما ربنا يرزقني، عمري ما هسيب حد محتاج وأنا قادرة أساعده. خفض آدم عينيه. لم يجد ما يقوله. ففي عالمه... كان الجميع يأخذون. أما هي... فكانت تعطي فقط. وفي تلك اللحظة... دوى صوت إطلاق نار خارج القصر. قفز آدم من مكانه. وفي أقل من ثوانٍ... اندفع رجال الحراسة إلى الداخل وهم يصرخون يا باشا... في هجوم على البوابة! أطفأ آدم شاشة مكتبه بسرعة، وأخرج مسدسه من الدرج. لكن قبل أن يخرج... نظر إلى ندى وقال بحزم اقفلي الباب من جوه... ومهما سمعتي، ما تفتحيش لحد. ثم اندفع إلى الخارج. ولم يكن يعلم... أن الخائن الذي يبحث عنه... كان يقف بالفعل داخل القصر، يراقب كل خطوة، ومستعد لتنفيذ أخطر ضربة في تاريخ عائلة المنشاوي. يتبع...انطلقت صفارات الإنذار في أنحاء القصر. وخلال ثوانٍ... تحول المكان الهادئ إلى ساحة استنفار. انتشر رجال الحراسة خلف الأعمدة والحدائق، بينما اندفع آدم نحو البوابة الرئيسية وسلاحه في يده. كانت سيارة سوداء قد اخترقت البوابة الخارجية قبل أن تتوقف بعد أن اصطدمت بالحاجز الحديدي. لكن... لم يخرج منها أحد. أشار آدم بيده. فتشوها. اقترب اثنان من الحراس بحذر. فتح أحدهم الباب... فوجد السيارة فارغة. وفي المقعد الأمامي... هاتف محمول فقط. رن الهاتف فجأة. نظر آدم إلى الشاشة. رقم مجهول. أجاب دون تردد. جاءه صوت رجل يضحك. واضح إنك لسه بتجري ورا الطعم يا آدم. عرف الصوت فورًا. كمال السيوفي. أقدم أعدائه. قال آدم ببرود لو راجل... اظهر. ضحك كمال. أنا أقرب ليك مما تتخيل. ثم أغلق الخط. شعر آدم بشيء غير طبيعي. التفت بسرعة إلى حسام. اقفلوا كل أبواب القصر... محدش يدخل ولا يخرج. لكن الأوامر جاءت متأخرة. في الداخل... كانت ندى لا تزال داخل المكتب كما طلب منها آدم. سمعت أصوات الرصاص. ورغم خوفها... لم تفتح الباب. وفجأة... سمعت صوتًا خافتًا خلف المكتبة الكبيرة. ...تك. رفعت رأسها. تكرر الصوت. اقتربت بحذر. ثم لاحظت أن إحدى رفوف الكتب تتحرك ببطء. خلفها... كان يوجد ممر سري قديم. خرج منه رجل يرتدي زي أحد عمال الصيانة. لكنه لم يكن يحمل أدوات. بل كان يحمل كاتم صوت. تجمدت ندى مكانها. الرجل أيضًا تفاجأ بوجودها. نظر إليها لثانية... ثم رفع السلاح. في اللحظة نفسها... التقطت ندى أقرب شيء بجوارها... مزهرية نحاسية ثقيلة. وقبل أن يضغط الزناد... ألقتها بكل قوتها. ارتطمت المزهرية بذراعه. انطلقت الرصاصة نحو السقف. وأسرعت ندى تركض نحو الباب وهي تصرخ بأعلى صوتها يا باشاااا... حد جوه القصر! وصل صوتها إلى آدم. استدار فورًا. وركض مع الحراس نحو المكتب. أما الرجل... فقفز داخل الممر السري وأغلقه خلفه. وصل آدم بعد ثوانٍ. وجد ندى ترتجف. والرصاصة مغروسة في السقف. نظر إليها بصدمة. إنتِ كويسة؟ هزت رأسها وهي تلهث. كان... كان هيقتلك. نظر آدم إلى أثر الرصاصة. ثم إلى فتحة الممر السري. وأدرك أن كمال لم يكن يهاجم البوابة أصلًا... السيارة كانت مجرد خدعة. أما القاتل الحقيقي... فقد كان داخل القصر منذ البداية. اقترب آدم من ندى لأول مرة، ووضع يده على كتفها وقال بصوت منخفض إنتِ أنقذتي حياتي. لكن في الطرف الآخر من الممر السري... كان الرجل المجهول يبتسم وهو يخرج هاتفًا صغيرًا. وأرسل رسالة من ثلاث كلمات فقط المرحلة الأولى نجحت. يتبع...في مكان مجهول خارج القاهرة... اهتز هاتف كمال السيوفي. قرأ الرسالة القصيرة المرحلة الأولى نجحت. ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال للرجل الجالس أمامه زي ما توقعت... آدم هيبدأ يشك في كل اللي حواليه. لكن الرجل هز رأسه. لا يا باشا... في مشكلة. إيه هي؟ الخادمة... هي اللي بوظت الخطة. اختفت الابتسامة من وجه كمال. اسمها إيه؟ ندى المصري. ردد الاسم ببطء، ثم قال من النهارده... راقبوها. في القصر... أغلق آدم باب مكتبه بنفسه. ولأول مرة... لم يسمح حتى لحسام بالدخول. جلس أمام شاشة المراقبة. وأعاد تسجيل الكاميرات دقيقة بدقيقة. حتى وصل إلى اللحظة التي ظهر فيها عامل الصيانة. أوقف الصورة. كبرها. ثم عقد حاجبيه. مستحيل... دخل حسام بعد أن أذن له. سأله حضرتك عرفت مين ده؟ أشار آدم إلى الشاشة. شايف البطاقة اللي على هدومه؟ اقترب حسام. ثم اتسعت عيناه. دي بطاقة قسم الصيانة. قال آدم ببرود وأنا لغيت القسم ده من ست شهور. ساد الصمت. يعني... البطاقة مزورة. لكن الملابس... خرجت من داخل القصر. وهذا يعني شيئًا واحدًا. الخائن ليس من الخارج... بل من الداخل. في تلك الليلة... استدعى آدم جميع العاملين. وقف أكثر من أربعين موظفًا في البهو الكبير. الخوف كان ظاهرًا على الوجوه. أما ندى... فكانت تقف في آخر الصف، تحاول ألا تلفت الانتباه. تقدم آدم خطوة. وقال بهدوء من النهارده. .. محدش هيخرج من القصر إلا بإذن مباشر مني. بدأ الهمس ينتشر. ثم أكمل وفي خائن بينا. ساد الصمت. نظر آدم في وجوه الجميع. وكان يراقب ردود أفعالهم أكثر من كلماتهم. وفجأة... لاحظ شيئًا غريبًا. مديحة. كبيرة المشرفات. كانت الوحيدة التي لم تبدُ عليها المفاجأة. بل كانت تنظر إلى الأرض، وكأنها تعرف الخبر مسبقًا. بعد انتهاء الاجتماع... استدعى آدم حسام على انفراد. وقال له من غير ما حد يحس... راقب مديحة. تفاجأ حسام. حضرتك شاكك فيها؟ رد آدم لسه مش متأكد... لكن في حاجة غلط. وفي الوقت نفسه... كانت مديحة تدخل غرفتها بسرعة. أغلقت الباب بالمفتاح. ثم أخرجت هاتفًا قديمًا مخفيًا داخل علبة أحذية. واتصلت برقم واحد فقط. ما إن جاءها الرد حتى همست آدم بدأ يشك. جاءها صوت كمال السيوفي هادئًا يبقى خلصوا على البنت قبل ما تتكلم. ارتجفت يد مديحة. تقصد... ندى؟ أيوه. هي السبب في فشل الخطة. تجمدت مديحة في مكانها... لأنها أدركت أن اللعبة خرجت عن السيطرة. وأن ندى أصبحت الهدف التالي. يتبع...في الساعة الثانية بعد منتصف الليل... كان القصر غارقًا في هدوء ثقيل. لكن ندى لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، تذكرت فوهة المسدس الموجهة إليها. تنهدت، وخرجت من غرفتها الصغيرة فوق مبنى الخدمات لتشرب كوبًا من الماء. وفي أثناء عودتها... سمعت همسًا يأتي من المخزن القديم. توقفت. كان الباب مواربًا. ومن الداخل، سمعت صوت مديحة. لا... مش هقدر أقتلها. تجمدت ندى. ثم جاءها صوت رجل عبر الهاتف لو ما عملتيش اللي قولتلك عليه... الدور هيكون عليكي. ارتعش صوت مديحة. أنا وافقت أنقل أخبار... لكن القتل لأ. أغلق الخط. وقفت مديحة لثوانٍ تبكي. ثم مسحت دموعها وخرجت. اختبأت ندى خلف الجدار حتى ابتعدت. كانت أنفاسها متسارعة. لم تستوعب إلا حقيقة واحدة... مديحة هي الخائنة. في الصباح... طلبت ندى مقابلة آدم. دخلت مكتبه وهي مترددة. رفع رأسه وقال خير؟ قالت بصوت منخفض لازم أحكي لحضرتك حاجة. وروت له كل ما سمعته. لم يقاطعها. ولم يبدُ عليه الذهول. بل فتح درج مكتبه... وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا. ضغط زر التشغيل. وانطلق صوت مديحة بوضوح وهي تتحدث مع كمال السيوفي. رفعت ندى عينيها بدهشة. حضرتك... كنت مسجل المكالمة؟ ابتسم آدم لأول مرة منذ أيام. من ساعة ما شكيت فيها، وأنا مراقب كل تحركاتها. ثم ضغط زرًا آخر. دخل حسام ومعه اثنان من رجال الأمن. وبينهما... مديحة مكبلة اليدين. ما إن رأت ندى حتى انهارت. صرخت وهي تبكي سامحيني... والله ما كنت عايزة أوصّل الأمور لكده. نظر إليها آدم ببرود. ليه؟ أجهشت بالبكاء. ابني... كمال كان ماسك ابني. هدد يقتله لو ما نفذتش أوامره. ساد الصمت. نظر آدم إلى حسام. ثم قال ابعت رجالتنا. هاتوا ابنها... دلوقتي. بعد ساعتين... دخل شاب في السابعة عشرة من عمره إلى القصر، يرتجف لكنه سليم. بمجرد أن رأته مديحة... ارتمت تحتضنه وهي تبكي بحرقة. خفض آدم رأسه قليلًا. ثم قال اللي عملتيه جريمة. لكن اللي استغلك... هو المجرم الأكبر. التفت إلى حسام. بلغ الشرطة بكل الأدلة. ثم نظر إلى ندى. وقال بهدوء لولا شجاعتك... كان زماني ميت. ابتسمت ندى ابتسامة خجولة. وقالت أنا عملت اللي أي إنسان كان هيعمله. لكن آدم هز رأسه. لا... مش أي إنسان. وفي تلك اللحظة... أدرك أنه لأول مرة في حياته، وجد شخصًا يفعل الخير دون انتظار مقابل. شخصًا أعاد إليه جزءًا من إنسانيته التي ظن أنه فقدها منذ سنوات. تمت.