بقالي 3سنين بخدام مراتي المشلوله

​بقالي ٣ سنين بخدم مراتي المشلولة، ليل نهار.. ​”كنت فاكر إني بضحي عشان حب حياتي.. لحد ما سمعت منها اللي كسرشني..
في يوم كنت راجع من برا وهي مش شيفاني سمعتها بتتكلم في التليفون وقالت جملة: “هو بيعمل كل ده عشان فلوسي انا عارفة مفكرني مصدقة انه بيحبني وبيضحي عشاني “. سكتّ.. قلبي وجعني بس كملت سكات ولاقيتها بتقول انا عملت تحويل بنكي بمليون جنيه، و اكتشفت إن أهلي كمان كانوا مشاركين في اللعبة.
​— “هو متمسك بيكي عشان فاكر إنك لسه بتحبيه، لو عرف الحقيقة، بكره الصبح مش هيشيلك حتى عشان تدخلي الحمام.”
​صوت أختها طالع من سماعة الموبايل، وبعدها سمعت ضحكة مراتي المجلجلة.
​كنت واقف ورا باب الصالة بخطوتين، في إيدي كيس الدواء وعلبة حفاضات كبار عشانها . رجعت بدري عشان الصيدلية اللي في منطقتنا هتقفل . مفيش حد حس بيا وأنا داخل لافيتها بتقول..
​ “أحمد بيعمل كل اللي بطلبه يا بنتي “ده مبقاش جوزي ده بقى زي الخدام اللي بيشتغل من غير أجر. طول ما هو حاسس بعقدة الذنب وفاكر إني لسه بعشقه، مش هيعرف يبعد ”
​حسيت رجلي مش شايلاني.
#انجي_الخطيب
​طول ٣ سنين، كنت بنام بعين مفتوحة عشان لو احتاجت مية أو مسكن. اتعلمت إزاي أهتم بيها، وأحركها من غير ما اوجعها، وأرتب مواعيد ٦ أدوية مختلفة. سِبت شغلي كمهندس في الموقع عشان أشتغل من البيت وأكون جنبها.
​أهلي واهلها كانوا بيقولوا عليا “راجل أصيل”. وأنا مكنتش بدور على مدح، كنت بحب “هبة”، أو الست اللي كنت فاكر إني عارفها.
​من ٣ سنين، وإحنا راجعين من فرح قريبنا في الإسكندرية، عربية نقل خبطت عربيتنا على الطريق الصحراوي. أنا خرجت بكسر بسيط في الكتف، وهي جالها إصابة في العمود الفقري وفقدت الحركة في رجليها.
​أول شهور كانت جحيم. هبة كانت بتعيط لما تبص في المراية وتطلب مني أطفي النور عشان متشوفش نفسها وهي مشلولة واعدة علي كرسي متحرك . حلفت لها إن مفيش حاجة هتتغير.
​بعت عربيتي عشان أدفع تكاليف التأهيل الطبي، وركبت مقابض في الحمام وعملت (مطلع) على باب البيت عشان الكرسي.
​أختها “نورهان” هي اللي عرضت تدير تعويض شركة التأمين. قالت لي: “أنت ركز بس في تمريضها، وأنا ههتم بالورق والفلوس عشان مفيش حاجة تنقصكم.”
​وثقت فيهم هما الاتنين.
​بعد ما سمعت الكلام، خرجت من البيت من غير صوت وقعدت في العربية.
​معيطتش. بس قعدت أسأل نفسي: هي ضحكت عليا كام مرة وأنا بحاول أخفف عنها وجعها؟
​رجعت بعد تلت ساعة وعملت نفسي جاي من الصيدلية.
​— “اتأخرت ليه؟” قالتها وهي مش شايلة عينها من الموبايل.
​— “كان فيه طابور زحمة.”
​— “جبت المرهم؟”
​طلعت الحاجات من الكيس ورصيتها قدامها. هبة فحصت كل حاجة زي المديرة اللي بتراجع طلبية.
​في الليلة دي مكنتش عايز أتكلم، ولا غيرت تعاملها الطبي. مكنتش هخاطر بصحتها عشان وجعي الشخصي.
​بس من اللحظة دي، بطلت أجري على طلباتها قبل ما تطلب.
​لما حبت إني أناولها الريموت اللي كان بعيد عنها نص متر، طلبت منها تحاول تجيبه بالماسك اللي الدكتور وصفهولها. اتضايقت وزعقت:
​— “أنت بقيت غريب اليومين دول.”
​— “أنا تعبان يا هبة.”
​بصت لي بنظرة استغراب، كأنها لأول مرة تفتكر إن “أحمد” كمان من حقه يتعب.
​بدأت أركز في تفاصيل كنت بجهلها. هبة بقت بتقوم من على السرير بقوة مريبة. الكوتشي بتاعها بلاقيه في مكان تاني، ومشاية الطرقة بلاقيها مكسرة ومطبقة، مع إن الكرسي مبيعديش من هناك.
​وفي فجرية من الأيام، سمعت خبطة في المطبخ.
​نزلت، لقيتها قاعدة على الكرسي جنب التلاجة.
​— “كوباية وقعت مني” قالت بتوتر.
​الكوباية كانت مكسورة على بعد ٣ متر منها.
​مقلتش حاجة.
​بعدها بكام يوم، وأنا بدور على الشبشب بتاعي تحت الكنبة، لقيت موبايل صغير متغلف بجراب أسود. مش موبايلي، ومش الموبايل اللي هبة بتستخدمه قدامي.
​استنيت لحد ما نامت. الموبايل مكنش عليه باسورد.
​لقيت محادثة محفوظة باسم “ماهر دكتور العلاج الطبيعي”.
​ماهر ده هو اللي كان بيجيلنا البيت ٣ مرات في الأسبوع.
​فتحت الشات وأنا متوقع ألاقي تعليمات طبية. لقيت صور، ورسايل حب في نص الليل، وكلام ميتقالش لمريضة متجوزة.
​بس اللي جمد الدم في عروقي مكنش الخيانة.
​كانت رسالة بعتاها هبة من أسبوعين بتقول فيها:
​”لما أحمد يمضي على تجديد التوكيلات البنكية، هنقدر نسحب باقي التعويض من شركة التأمين .. وبعدها مش هنضطر نمثل إن رجلي مش شغالة تاني.”
​فضلت باصص للشاشة لحد ما الحروف دخلت في بعضها.
​في اللحظة دي فهمت إن مراتي مش بس ضحكت على حبي، دي يمكن بقالها سنة بتمشي من ورايا، وأنا بضحي بعمري عشان إعاقة مبقتش موجودة.
​والأصعب.. إنها خططت توقعني في مصيبة قانونية، وأنا اللي بغبائي ممكن أضيع البيت والتحويشة وأطلع متهم في قضي*ة نصب هي اللي رتبتها.
​بس اللي عملتة بعد كدا محدش منهم كان مصدقة..
حكايات انجى الخطيب
رميت الموبايل على السرير بنفس البرود اللي اتولدت جوايا، ونزلت المطبخ شربت مية وأنا بفكر في كل لحظة ضيعتها في خدمة سراب، الصبح قمت كأني مفيش حاجة حصلت، دخلت عليها الأوضة بابتسامة صفرا ولا كأني عرفت أي حاجة، وبنبرة هادية قلت لها إن فيه ورق جديد من شركة التأمين محتاج إمضتها، ولما شفت لمعة الطمع في عينيها وهي بتمد إيدها تاخد الورق، حسيت إنها مش هبة مراتي، دي غريبة أنا مكنتش أعرفها، مضت على الأوراق بسرعة وكأنها خايفة أغير رأيي، وفي اللحظة اللي خدت فيها الورق، ابتسمت لها وخرجت من الأوضة، اتصلت بالمحامي اللي كنت عارفه من أيام الشغل في الموقع، وفهمته كل حاجة، وبعت له صور الرسايل والتحويلات البنكية اللي بدأت أجمعها، وفي اليوم التاني، لما جه ماهر “دكتور العلاج الطبيعي” كعادته، دخلت عليه ولقيته بيحاول يمثل إنه بيساعدها في التمرين، قفلت باب الأوضة بالمفتاح وبصيت له ببرود، قلت له “اللعبة خلصت يا دكتور، وكل حاجة متسجلة، يا إما تخرج دلوقتي وتختفي من حياتنا وتعتبر نفسك مكنتش هنا، يا إما البوليس هو اللي هيحاسبك على التزوير والنصب اللي كنت شريك فيه”، وش هبة اتخطف وبدأت تصرخ، بس أنا مكنتش سامع حاجة، قعدت على الكرسي قدامهم وطلعت “الكرسي المتحرك” اللي كانت بتمثل عليه، ودفعت الكرسي ناحية باب الشقة وفتحته، وقلت لها “أنا مش هطلقك دلوقتي، أنا هستنى لحد ما كل حاجة ترجع لأصلها، والفلوس اللي اتسرقت ترجع لحسابنا، وبعدها لا أنتِ مراتي ولا أعرفك”، شفت في عينيها الخوف لأول مرة، بس ده كان آخر شعور هي تحسه مني، لأن من اللحظة دي، مفيش أي حاجة في قلبي تجاهها غير العدل، وفعلاً، في خلال شهر، كنت رجعت كل قرش لبيتي، ووقفت قضايا التأمين اللي كانت ممكن توديني في داهية، وطلقتها في صمت تام، ومن غير حتى ما أسمع اعتذار، لأني عرفت وقتها إن التضحية غالية، ومينفعش تتقدم لناس متستاهلهاش، وخرجت من البيت اللي قضيت فيه سنين من عمري، عشان أبدأ حياة جديدة، بعيد عن التمثيل، وعن الناس اللي لبسوا وشوش البراءة وهما بيطعنوا في ضهري.
#انجي_الخطيب
خرجت من البيت وأنا حاسس إن الحِمل اللي كان على كتافي لمدة تلات سنين نزل أخيراً. الهواء في الشارع كان مختلف، لأول مرة بحس إني بتنفس بعمق من غير ما قلبي يوجعني. وقفت قدام العمارة، بصيت للبلكونة اللي كنت بخرج فيها أقف عشان مأزعجهاش بصوت نَفَسي، ورميت مفتاح الشقة في البالوعة اللي على الرصيف. مشيت بخطوات تقيلة في الأول، وبعدين بدأت أسرع، وكأن كل خطوة بتبعدني عن الكذبة دي كانت بترجع لي جزء من روحي اللي ضاع.
​مشيت من غير وجهة، لحد ما لقيت نفسي قاعد على النيل. قعدت أتفرج على المراكب وهي ماشية في هدوء، ولقيتني بطلع تليفوني القديم وأمسح رقمها نهائي، مش بس من الأسماء، من ذاكرة تليفوني ومن حياتي. مكنش فارق معايا الناس اللي هتقول “أحمد اتخلى عنها”، ولا حتى أختها نورهان اللي كانت فاكرة إنها أذكى مني. الحقيقة اللي عرفتها هي إن أطيب قلوب ممكن تتداس لو سلمت نفسها لناس بلا ضمير.
​عدت شهور، رجعت لشغلي كمهندس، وبدأت أبني حياتي من أول وجديد، طوبة طوبة، زي ما كنت بدرس في الجامعة. أحياناً بليل، وأنا براجع حساباتي، بتعدي صورتها في خيالي، بس مش بصورة المريضة اللي كنت بغير لها ضماداتها، بتعدي بصورة الست اللي كانت بتمثل دور الضحية وهي بتسرق عمري.
​وفي يوم، وأنا في موقع الشغل، جت لي رسالة من رقم مجهول.. كانت صورة لـ “هبة” وهي واقفة على رجليها في عيادة دكتور، ومعاها نورهان، والاتنين بيبصوا للكاميرا بتحدي. مبعوت معاها رسالة قصيرة: “أحمد، أنت دمرت حياتنا، كان ممكن نعيش في رخاء لو كنت سكتّ”.
​ابتسمت ابتسامة هادية، ومسحت الرسالة من غير ما أرد. مكنتش محتاج أرد.. لأن أكبر عقاب لهم مكانش السجن أو الفضيحة، كان إني قدرت أعيش، وإني رغم كل اللي حصل، لسه قادر أقف على رجلي وأبني بكرة، في حين إنهم هيفضلوا محبوسين طول عمرهم جوه الدور اللي مثلوه على الناس، ومحدش هيصدقهم تاني.
​أنا مكنتش “خدّام” يا هبة.. أنا كنت “راجل” بيعمل اللي يمليه عليه ضميره، ولما اكتشفت إن الضمير ده بيستغل، قررت إن وقتي وجهدي وحبي، أغلى من إنهم يضيعوا في مسرحية رخيصة.. وفعلاً، بدأت من جديد، ومش ندمان على دقيقة واحدة كنت فيها صادق مع نفسي.
​#انجي_الخطيب
النهاردة، بعد سنة كاملة من اليوم ده، قاعد في مكتبي الجديد في شركة المقاولات اللي بقيت شريك فيها. المكتب مش كبير، بس هادي، ريحة القهوة فيه بتفكرني بالبدايات الجديدة اللي مفيش فيها “تمثيل”.
​تليفوني رن، كان رقم غريب، رديت بهدوء: “أيوة، مين معايا؟”
​صوت هبة كان مكسور، مش زي ما كانت بتزعق زمان، صوتها كان ضعيف ومتردد، قالتلي: “أحمد.. أنا.. أنا محتاجة أتكلم معاك. نورهان سابتني، وماهر اختفى بعد ما خد الفلوس اللي كانت باقية، وأنا.. أنا لوحدي دلوقتي.”
​سكتّ ثواني، بصيت من إزاز المكتب على الشارع وزحمة القاهرة، وشفت انعكاس وشي في الإزاز.. ملامحي اتغيرت، بقيت أقوى، وعيني مبقاش فيها “عقدة الذنب” اللي كانت بتتحكم في حياتي.
​رديت بصوت ثابت: “هبة، اللي بينا خلص من اللحظة اللي اكتشفت فيها الموبايل التاني. أنتِ مش محتاجة تتكلمي معايا، أنتِ محتاجة تتصالحي مع نفسك ومع اللي عملتيه. أنا مش عدوك، أنا بس بقيت إنسان مبيسمحش لحد إنه يستغله.”
​حاولت تقاطعني بدموع مصطنعة أو حقيقية، مش فارق: “بس أنا تعبانة، ومحتاجة مساعدة..”
​قاطعتها بكلمة واحدة، بس كانت تقيلة: “الدكتور اللي كان بيعالجك هو اللي يعرف حالتك، مش أنا. حياتي الجديدة مبنيّة على الصدق، وأنتِ كنتِ أساس الكذبة فيها. أتمنى تلاقي طريقك، بس بعيد عني.”
​قفلت الخط، وحطيت التليفون على المكتب. مفيش غضب، مفيش انتقام، مفيش حتى حنين. بس في سلام غريب جوايا. قمت وقفت، لبست جاكيت البدلة، وخرجت للموقع. العمال مستنيين، والمهندسين بيراجعوا اللوحات، والشغل اللي بجد هو اللي باقي.
​الحياة مش دايماً بتدينا نهايات سعيدة، بس بتدينا فرصة تانية عشان نصلح اختياراتنا. وأنا، النهاردة، بختار نفسي، وبختار إن عمري اللي جاي يكون حقيقي.. من غير “سيناريو” مكتوب من حد تاني.
​#انجي_الخطيب
بعد ما قفلت السكة، حسيت إن فيه غصة قديمة في قلبي دابت تماماً. خرجت من المكتب، والهواء بتاع القاهرة في الصيف ده، رغم حرارته، حسيت إنه بيمسح أي ذرة تراب كانت عالقة في روحي من سنين الخداع.
​نزلت الموقع، لقيت المهندسين مستنييني، بدأت أراجع معاهم الشغل، وبدأت أركز في التفاصيل الصغيرة: الأسمنت، الحديد، العمدان اللي بتترفع.. لأول مرة من سنين بحس إني ببني حاجة ثابتة، حاجة مش هتنهد بمجرد ما حد يكذب.
​مرت شهور تانية، وبدأت حياتي تاخد شكل جديد تماماً. في يوم، وأنا بتمشى في منطقة “الزمالك” بعد الشغل، لمحت حد بيشحت على ناصية الشارع.. ست كانت لابسة لبس مبهدل، وشعرها منكوش، ملامحها كانت مألوفة بس مش قادر أحددها. بصت لي، ولما عيني جت في عينها، اتجمدت في مكاني.
​دي كانت “هبة”.
​الست اللي كانت بتلبس أفخم البراندات، وبتدير بيتي كأنها ملكة، بقت قاعدة على الرصيف، والكرسي المتحرك اللي كانت بتمثل عليه، كان مكسور جنبها. بصت لي بكسرة عين، مفيش فيها أي تحدي، مفيش فيها أي تمثيل، مجرد نظرة انكسار حقيقية المرة دي.
​موقفتش. كملت مشي، بس قلبي مكنش قاسي، كان “متعافي”. عرفت في اللحظة دي إن كل واحد فينا بيحصد اللي زرعه. هي زرعت كذب وخيانة، وحصدت اللي وصلها للرصيف. وأنا، رغم كل اللي خسرته، زرعت صبر وأمانة، وحصدت راحة بال مفيش فلوس في الدنيا تشتريها.
​وصلت البيت، شقتي اللي أثثتها بذوقي أنا، من غير ما حد يملي عليا اختياراته. دخلت المطبخ، عملت كوباية شاي، وقعدت في البلكونة أتفرج على غروب الشمس.
​مبقتش بسأل “ليه يا هبة؟” ولا “إزاي طاوعك قلبك؟”. السؤال اللي كان شاغل بالي هو: “يا ترى، بكره هقدر أساعد حد تاني من غير ما أخاف؟”.
​الدرس اللي اتعلمته مكنش إن الناس وحشة، الدرس كان إن الإنسان لازم يحمي نفسه، ويحب نفسه قبل ما يحب أي حد تاني. وبدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها “انجي_الخطيب” غير كاسم يوقع على حكايات بتعلم الناس إن “الأصيل مش مغفل، والأصيل هو اللي بيعرف يختار لنفسه طريق النور لما الضلمة تزيد”.
​قمت، دخلت أوضتي، وفتحت كراسة كنت بكتب فيها خواطري، كتبت جملة واحدة بس: “الحياة بتبدأ بجد.. لما نعرف إمتى نقول كفاية”.
​#انجي_الخطيب
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *