نور

نور كانت واقفة في البلكونة بتاعة شقتهم القديمة في اسكندرية والهوا بيضرب في وشها وريحه البحر داخلة عليها كأنها بتحضنها بعد غياب طويل، عشر سنين بحالهم وهي بعيد عن المكان ده، عشر سنين وهي بتحاول تنسى كل حاجة حصلت هنا، كانت حاطة ايدها على سور البلكونة وبتتفرج على الشارع اللي اتغير نصه والنص التاني لسه زي ما هو بنفس المحلات ونفس الزحمة ونفس صوت البياعين، بس هي اللي اتغيرت، بقت ست غير البنت اللي كانت بتلبس الجينز وتجري على البحر مع ريان.
ريان، الاسم ده كان محفور جواها ومش راضي يطلع، اول حب واخر حب زي ما كانت فاكرة وهي عندها تسعتاشر سنة، كان جارهم وابن منطقتهم وكانوا بيذاكروا سوا وكان هو سابقها بسنتين في الكلية، كانوا متفقين على كل حاجة، هيتخطبوا اول ما تتخرج وهيتجوزوا ويسافروا سوا ويعملوا كل اللي نفسهم فيه، لحد ما في يوم صحيت ملقتهوش، اختفى، لا رسالة ولا تليفون ولا حتى ورقة يودعها بيها، راحت لبيتهم لقت الشقة مقفولة وام فتحي جارتهم قالت لها انهم عزلوا فجأة بالليل ومحدش يعرف راحوا فين.
نور انهارت وقتها، قعدت شهور مش بتاكل ولا بتنام وامها دارين كانت بتلف بيها على الدكاترة واختها شهد كانت بتحاول تفوقها بس مفيش فايدة، لحد ما في يوم اكتشفت انها حامل، الدنيا اسودت اكتر في وشها، حاولت تنزله وامها رفضت وقالت لها ده روح ملهاش ذنب وان ربنا هيعوضها، وساعتها قررت انها تسافر عند خالتها

في القاهرة وتولد هناك وتقول لكل الناس انها اتجوزت وسافرت وجوزها مات، وسمت الولد فاروق على اسم ابوها الله يرحمه.
فاروق دلوقتي عنده تسع سنين، واد شقي وذكي وبيشبه ريان بالظبط نفس العيون ونفس الضحكة اللي كانت بتخلي قلبها يدق بسرعة، رجعت اسكندرية تاني عشان امها تعبت وعاوزة تفضل جنبها، وقدمت لفاروق في مدرسة خاصة قريبة من البيت، مدرسة نظيفة ومستواها كويس وكانوا محتاجين امهات تحضر اول يوم عشان تتعرف على المدرسين.
اول يوم دراسة نور لبست فاروق اللبس الجديد وسرحت له شعره وخدته من ايده ونزلت وهي حاسة انها بتبدأ حياة جديدة بجد، دخلت المدرسة والمديرة بتستقبل اولياء الامور وبترحب بيهم، وفجأة سمعت صوت من وراها بيقول صباح الخير يا جماعة انا مستر ريان مدرس العربي بتاع فصل تالتة ابتدائي، الصوت ده هي عارفاه، حفظاه بصم، صوت كان بيقولها بحبك كل يوم تحت البلكونة.
لفت وشها ببطء وقلبها هيقف، هو، ريان واقف قدامها لابس قميص ابيض وبنطلون كحلي ونظارة نظر مدياه وقار، بقى اطول واعرض وشكله بقى راجل بجد مش الواد اللي كانت تعرفه، وهو كمان اول ما شافها اتسمر مكانه والكلام راح من لسانه، فضل باصص لها وللواد الصغير اللي ماسك ايدها، فاروق اللي شبهه بالظبط.
المديرة خدت بالها من التوتر اللي حصل فجأة وقالت مالكم يا جماعة تعرفوا بعض ولا ايه، نور بلعت ريقها وقالت لا ابدا تشابه اسماء بس، ريان سكت ومردش ودخل الفصل ووراه العيال ونور فضلت واقفة بره مش قادرة تتحرك، شهد كانت معاها ومسكت ايدها وقالت لها اهدي يا نور مش معقول هو، هو سافر من عشر سنين واكيد مش هيرجع يبقى مدرس هنا، نور قالت لها هو، والله هو، وده ابنه، فاروق شبهه بالميلي.
اليوم عدى ونور مش فاكرة منه حاجة، روحت البيت وهي حاسة ان الدنيا بتلف بيها، طول الليل فاروق بيحكي عن المستر الجديد اللي بيحبه وبيقول عليه شاطر وطيب، وهي كل كلمة كانت سكينة في قلبها، تاني يوم وهي بتوصله المدرسة لقت ريان مستنيها عند البوابة، قال لها لازم نتكلم، قالت له نتكلم في ايه بعد عشر سنين، بعد ما سبتني ومشيت من غير حتى كلمة، قال لها انا مسبتكيش بمزاجي، كان غصب عني، قالت له غصب عنك عشر سنين متسألش حتى انا عايشة ولا ميتة.
ريان قال لها انا كنت هموت لو مسألتش بس كان لازم ابعد، نور قالت له كان لازم تبعد وتسيبني حامل لوحدي اواجه الدنيا كلها، ريان اتصدم وقال لها حامل ايه، انتي بتقولي ايه، نور سكتت وعرفت انها زلت لسانها، قالت له ملكش دعوة، قال لها فاروق ده ابني صح، ده ابني انا، نور عينيها دمعت وقالت له لا مش ابنك، ده ابني انا لوحدي، انا اللي ربيته وانا اللي سهرت عليه وانا اللي استحملت كلام الناس عشانه، انت ملكش حق تسأل عنه دلوقتي.
ريان مسك راسه وقال لها يا نهار اسود، يعني انا عندي ابن وانا معرفش، يعني انا ضيعت عمري كله بعيد عنكم، نور قالت له انت اللي ضيعته بمزاجك، انت اللي اخترت تمشي، وسابته ومشيت وهي بتعيط.
بالليل ريان راح لبيت فتحي صاحبه القديم اللي لسه ساكن في نفس المنطقة، فتحي اول ما شافه حضنه وقال له يا راجل فينك من عشر سنين، قعدوا يحكوا وريان حكى له كل حاجة، قال له ان ابوه كان عليه ديون لناس كبيرة اوي في اسكندرية وكانوا مهددينه بالقتل، وفي يوم جم خدوه وضربوه وقالوا له يا الدفع يا هناخد ابنك، ابوه خاف عليه وقرر يهربه بره مصر خالص عند قريبه في ليبيا ومنها سافر على ايطاليا، ومكانش ينفع يقول لنور عشان الناس دي كانت مراقبة كل حاجة ولو عرفوا ان له حد بيحبه كانوا هيأذوها هي كمان، فابوه اخد منه التليفون ومنعه يكلم اي حد وقال له انساها عشان تحميها.
فتحي قال له وانت فضلت عشر سنين بتحميها بانك بعيد عنها، ريان قال له ايوه وكنت بموت كل يوم، اشتغلت في ايطاليا في مطعم وغسلت صحون وذاكرت لحد ما خدت شهادة واشتغلت مدرس هناك في مدرسة للعرب، بس مقدرتش انساها، كل يوم كنت بشوفها في كل بنت ماشية، لحد ما ابويا مات من سنتين والديون خلصت والناس دي اتقبض عليهم وقررت ارجع، رجعت ادور عليها قالوا لي انها اتجوزت وسافرت القاهرة ومحدش يعرف عنها حاجة.
فتحي قال له طب وهتعمل ايه دلوقتي، ريان قال له معرفش، بس ده ابني ولازم اعوضهم عن كل اللي فات، وانت لازم تساعدني ارجع لنور تاني.
تاني يوم في المدرسة ريان بقى مهتم بفاروق زيادة عن اللزوم، بيجيب له كتب
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *