عيش

أم قالتلي: «روحي هاتي عيش ويا ريت تجيبي معاكي ثلج، هنا مفيش حاجة خلاص.» قالتها وهي مش بتبصلي أصلاً، وأنا بقالي ييجي ساعتين واقفة في مطبخها بخرط بصل، وأُنضف بامية، وأعمل ثلاث أنواع سلطات وعزومة في المفترض إنها «لينا كلنا». برة في حوش بيتها في شبرا، إخوات جوزي كانوا بيضحكوا حوالين الشواية، وجوزي، أحمد، ماسك كنز في إيده.

بصيت في صندوق الثلج، كان نصيان. وعلى الترابيزة كان فيه كيسين عيش مش ملموسين.
فهمت الفولة، بس قلت أديهم آخر فرصة.

— هو بجد لازم أنزل؟ — جرى إيه يا سارة، بلاش دراما بقى —رد أحمد—. ما أنتِ واقفة مش بتعملي حاجة، هيجرى إيه يعني لو نزلتِ؟

مش بتعملي حاجة.

الثلاث كلمات دول وجعوني أكثر ما كنت عايزة أعتراف لنفسي.

أخدت المفاتيح ونزلت. لما رجعت بعد عشرين دقيقة، كانت ريحة المشويات مالية الشقة كلها. على الترابيزة كان فيه أطباق كباب، وكفتة، وطحينة، وبابا غنوج. إخواته كانوا بياكلوا، والولاد الصغار محطوط قدامهم لحمة متقطعة حتت صغيرة. أحمد كان بيمضغ الأكل ومن غير حتى ما يرفع عينه فيا.

أنا مكنش ليا طبق.

حماتي أخدت الأكياس وشاورت لي على الحوض: — حطي دول عندك وكملي غسيل المواعين اللي وسختيها.

وقفت مكانِي مش بعرف أتحرك.

— وأنا أكلي فين؟

لوت بؤها كأني بسألها سؤال ملهوش أي معنى.

— اللحمة دي أنا جيباها لولادي وأحفادي. أنتِ ممكن تقومي تعملي لك بيضتين لو جيعانة.

أحمد فضل ساكت.

وفي السكوت ده، ماتت أخر حاجة كانت بتنزع جوايا بقالها شهور.

لحد من سنة واحدة بس، كنت أحلِف إن العيلة دي بتحبني بجد.

أنا كبرت في مصر الجديدة، في بيت كبير أوي مكنش ينقصه فلوس ابداً، بس كان دايماً ينقصه حنية. بابا كان عايش بين الشركات والسفريات، وماما كانت بتدير حياتنا وكأنها جدول أعمال. كان عندنا سواق، وبنسافر، ومدارس خاصة، وعزومات في مطاعم غالية، بس نادرًا ما كنا بنقعد ناكل مع بعض.

عشان كده لما اتعرفت على أحمد، اتعلقت بيه بسبب الحاجة اللي ماببتشتريش بالفلوس.

اتعرفنا لما عربيتي عطلت في وسط طريق صلاح سالم في عز المطرة. نزل من عربيته النقل الصغيرة، وساعدني أزقها، ووقف معايا لحد ما الونش جه، ومشي من غير ما يطلب مني أي حاجة. لما صممت أعزمه على فنجان قهوة عشان أشكره، قعدنا نتكلم ثلاث ساعات.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *