رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل التاسع عشر إلى الخامس والعشرون) بقلم سهام صادق

تناول “سيف” قطعة من صنف الطعام الذي صنعته “ليلى” ثم أخذ يمضغه ببطئ.

_ تسلم ايدها بجد، البنت ديه نفسها فظيع… متخليها تساعدكم بدل ما تجيبوا خدامه.

ألقى “سيف” باقتراحه وهتفت “كارولين” مثله.

_ ستكون طاهية رائعة.

_ “ليلى” مش خدامه هنا.

ارتفع صوت “عزيز” وترك ملعقته التي أحدثت صوتًا بالطبق؛ فتوقف “سيف” عن مضغ الطعام ونظر نحو عمه الذي احتقنت ملامحه.

ابتسم العم “سعيد” بعدما استمع إلى رد سيده… أما “عايدة” شعرت بالحزن وأطرقت رأسها بعدما عرض “سيف” بأن تعمل “ليلى” بدلًا من الخادمة الجديدة.

_ أنا مكنش قصدي … أنا قولت اقتراحي لأني عارف إنك مبتحبش ناس غريبة تدخل البيت والبنت شكلها شاطره في المطبخ وتعتبر قاعده معانا.

_ “ليلى” ضيفة عندنا يا بني، و “عزيز” بيه ربنا يكرمه وفر ليها شغل بشهادتها في المصنع.

قالتها “عايدة” وقد تخلت عن صمتها ونظرت نحو “عزيز” الذي رمق ابن شقيقه بنظرة ممتعضة أخجلته من حديثه.

جلى “عزيز” حنجرته قبل أن يتحدث وخرجت نبرة صوته بحشرجة.

_ “ليلى” مش ضيفه يا “عايدة”… “ليلى” فرد من البيت ده.

اعتلت الصدمة ملامح “عزيز” بعدما أدرك ما تفوه به وقد اتجهت جميع الأنظار عليه بدهشة؛ فتنحنح واستطرد قائلًا.

_ انتوا كلكم من العيلة يا “عايدة”.

ابتهجت ملامح العم “سعيد” ونظر إلى “عايدة”.

_ الله يكرم أصلك يا بيه.

_ هو البيت يكون ليه طعم من غير الراجل العجوز ده وأكل “عايدة” اللي يفتح النفس.

تحدث “سيف” مازحًا حتى ينهي الأمر الذي أحدثه بڪلامه الذي لم يقصد به الإهانة.

ابتسمت “عايدة” والعم “سعيد” الذي أردف حانقًا.

_ الراجل العجوز ده مكنتش بتفتكره وانت في بلاد بره… لكن “نيرة” فاكهة البيت كانت كل كام يوم تتصل تكلمني.

_ عشان تاخد منك التقرير عن اكلي وميعاد نومي وصحياني يا راجل يا عجوز.

قالها “عزيز” بمزاح وسُرعان ما كانت ترتفع قهقهته عاليًا بعدما تحدث العم “سعيد” باستياء.

_ الله يسامحك يا بيه سيبني موهوم شوية واني غالي عندهم.

ظَنَّ “عزيز” أن العم “سعيد” يمزح بكلامه كعادته لكن عندما أطرق رأسه… فهم شعوره.

نهض “عزيز” علي الفور من مكانه وربت على كتفه قائلًا.

_ طبعًا غالي عندهم يا راجل يا طيب مش أنت اللي ربتهم برضو.

_ لا النهاردة في دراما تراجيدي.

تمتم بها “سيف” وهو ينهض من مقعده هو الآخر واحتضن العم “سعيد” الذي أسرع في مسح عيناه من الدموع.

كانت “كارولين” تتابع ما يحدث بتعجب ولم تكن تفهم معظم حديثهم لكن عيناها كانت منجذبة بجراءة نحو “عزيز”.
…

وضعت “ليلى” كأس الشاي أمام العم “سعيد” وجلست قُبالته لتشاركة جلسته وتتناول معه مشروب النعناع الساخن خاصتها.

ابتسم العم “سعيد” بعد تناوله بضعة رشفات من كأس الشاي.

_ كوباية الشاي بتاعتك بتعدلي مزاجي يا “ليلى”.

بابتسامة عريضة طالعت تمزجه بكأس الشاي.

_ تشرب من ايدي احلى كوباية شاي لكن قهوة مقولكش.

ارتفعت ضحكات العم “سعيد” وأكمل عنها بمزاح.

_ دايمًا من غير وش.

ضحكت ثم أطرقت رأسها بخجل عندما تذكرت المرات القليلة التي صنعت للسيد “عزيز” قهوته.

_”عزيز” بيه بيجاملني عشان ميحرجنيش كل مرة بسأله طعم القهوة حلو…

ضحك العم “سعيد” لمعرفته بخجل “ليلى” الشديد من سيده.

_ ما دام قالك طعمها حلو يبقى طعمها حلو يا “لولو” … ده كفايه طاجن البامية ولا ام علي اللي بتعمليها.

وكاد أن يذكر لها بعض أصناف الطعام التي يعشقها هو من يدها لكن سُرعان ما كان يتذكر ما حدث اليوم على طاولة الطعام.

تلاشت ابتسامتها شيئًا فشئ بعدما بدأ العم “سعيد” يقص عليها الحديث الذي دار عنها.

_ اول مرة اشوف البيه متعصب كده خصوصًا قدام
“سيف”…”عزيز” بيه الله يكرمه دايمًا شايفنا أهله مش مجرد ناس بتخدمه.

تعمل بدل الخادمة !!

هذا كان اقتراح ابن شقيقه… توقف عقلها عند هذا الأمر ولا تعلم لِمَا شعرت بغصة اقتحمت حلقها.

_”لولو” سرحتي في إيه، اشربي النعناع بتاعك هيبرد.

نظرت إلى العم “سعيد” الذي لم يلاحظ انطفاء وهج عينيها، التقطت كوب مشروبها لتبتلع منه القليل لعلها تستطيع ابتلاع غصتها معه.
….

أغلقت “زينب” الباب بعدما وقعت على استلام الطرد من عامل التوصيل.

نظرت إلى العُلبة الضخمة التي تحملها وسارت بها نحو الطاولة لتضعها عليها.

_ مين كان على الباب يا “زينب”.

تساءَل “نائل” وهو يقترب منها ببطئ، فالتفت إليها وقد ضجت عيناها بالفضول.

_ طرد باسم “صالح”.

هز “نائل” رأسه بتفهم واستكمل خُطواته نحو الأريكة وجلس عليها.

_ طيب افتحي العلبه خلينا نشوف.

أسرعت “زينب” بإزاله الشريط المزين به العُلبة وسُرعان ما كان قلبها يخفق بقوة…. وهي ترى ثوب الزفاف.

أخرجته من العُلبة بسعادة أشرقت ملامح وجهها ورفعته لأعلى وبلهفة خرج صوتها.

_ ده الفستان.

التمعت عينين “نائل” بالدموع وهو يراها تحمل ثوب زفافها بسعادة تمني أن تظل دومًا مرسومه على محياها.

_ إيه رأيك يا جدو.

مسح “نائل” دموع الفرح سريعًا وحرك لها رأسه قائلًا بغبطة.

_ هتكوني عروسة زي القمر.

أسرعت “زينب” بوضع الثوب في عُلبته وركضت نحوه لترتمي بين ذراعيه قائلة.

_ أنا فرحانه أوي يا جدو.
…

ابتسامة عريضة احتلت شفتيّ “شاكر” بعدما أنهى مكالمته…بدأت ابتسامته تختفي شيئًا فشئ إلى أن غادرت محياه بعدما تذكر سؤال “نائل” له عن عودة “صالح”…فالعُرس بعد أيام والعريس في رحلة عمل.

هز رأسه بيأس من أفعال حفيده التي يحاول إصلاحها ببعض الهدايا التي تحمل اسم حفيده وكأنه هو من يبعثها.

عادت الابتسامة تشق شفتيّ “شاكر” مجددًا عندما تذكر سعادة “زينب” بثوب الزفاف التي ظنت أن “صالح” من أرسله لها.

_ ولما الحقيقة تظهر وتعرف إنك اللي جبت الفستان مش “صالح”…

هتفت بها “حورية” التي استمعت بالمصادفة لمكالمة حماها مع السيد “نائل” و “زينب”.

رفع “شاكر” عيناه نحوها؛ فواصلت كلامها واقتربت من مكان جلوسه.

_ ليه يا عمي بتعمل كده وبتخدع البنت وسايبها ترسم أحلامها…

امتقعت ملامح “شاكر” من حديث زوجة ابنه وقد زاد ما تفوهت به للتو غضبه.

_ “صالح” هيظلم البنت معاه… “صالح” وافق على قرارك مش رضوخ واستسلام زي زمان… المرادي هو بيتحداك في لعبتك.

“لُـعـبـة”

حقيقة نطقت بها السيدة “حورية” التي لم تعد ترى “زينب” إلاّ لُعبة في اصبع حماها ووحيدها الذي قَبِلَ الزواج منها لحاجة في نفسه.

_ مش عيب تشبهي البنت باللعبة يا دكتوره.

قالها “شاكر” باستنكار ثم طرق عصاه أرضًا وقد احتل الوجوم ملامحه.

_ وهي إيه غير كده… انت بتوهمها باهتمام “صالح” بيها وهو بيخلق ليها حجج واعذار كل ما يحس إن خيوط اللعبة بتفلت من ايده.

احتقنت ملامح “شاكر” ونهض من مجلسه هاربًا من حديث يعلم حقيقته.

_ كلامك بقى ملهوش معنى وميتبلعش يا دكتوره…
ياريت تعقلي ابنك لأنه لو خسر البنت ديه مش هيلاقي واحده ترضى بيه و بأبنه.

تحرك “شاكر” من أمامها وصاح باسم خادمه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *