رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل التاسع عشر إلى الخامس والعشرون) بقلم سهام صادق
قالها “عزيز” – العم – بصوت يتخلله الدفئ عندما استقر بمقعد السائق.
لم يرفع “عزيز” عيناه لرؤيتها؛ فذلك الضجيج الذي يقتحمه أجبره على عدم النظر إليها والوقوع في شرك أخر ينقص -يومًا بعد يوم- من رجولته أمام نفسه.
_ صباح الخير.
تمتمت بها “ليلى” بصوت خفيض ونظرت إلى عمها.
_ يلا يا “لولو” اركبي عشان منأخرش “عزيز” بيه.
بخجل حركت “ليلى” رأسها جِهة “عزيز” الذي انشغل في مطالعة هاتفه.
ابتلعت كلمات تحيتها له التي كادت أن تنطقها بعدما وجدته لا يعيرها أدني إهتمام.
شقت السيّارة طريقها نحو المصنع وقد سيطر الصمت على رحلة ذهابهم.
كعادتها ضمت حقيبتها في حـ,ـضنها وأخذت تطالع الطريق.
رمقها خلسة بطرف عينيه ولكن انكماشها على حالها بالمقعد الأمامي جعله لا يراها بوضوح.
عبرت السيّارة أخيرًا بوابة المصنع وقد ترجل “عزيز” السائق من السيّارة.
خرجت “ليلى” من السيارة وتعلقت عيناها بعمها الذي وقف احترامًا للسيد “عزيز الزهار” يسأله عن موعد مغادرته.
خفضت عيناها وقد تغلغل شعور سئ روحها وهي ترى الحقيقة تتضح أمام عينيها؛ عمها ليس إلاّ سائق لدى الرَجُل الذي تغرم به.
التعاسة كانت مرتسمة على ملامحها عندما دخلت المكتب التي تتشارك به مع زملائها بالعمل.
_ مالك يا “ليلى”.
تساءَلت بها “سلوى” زميلتها عندما وجدتها تجلس خلف مكتبها دون حديث.
_ مفيش يا “سلوى”.
رمقتها “سلوى” بنظرة ضيقة ورفعت كوب النسكافيه خاصتها لترتشف منه وتساءَلت بفضول لا يفارق شخصيتها.
_ غريبة النهاردة مركبتيش باص الشركة وجايه في ميعادك بالمظبوط.
_ جيت مع عمي و “عزيز” بيه.
قالتها “ليلى” ثم التقطت ملف الحسابات الذي عليها مراجعته اليوم.
_ بتقولي جاية مع مين، مع “عزيز” بيه.
صاحت بها “سلوى” ثم أسرعت بوضع كف يدها على شفتيها ومن حُسن حظ “ليلى” لم يكن إلاّ هما بالغرفة.
_ “سلوى” عمي سواق “عزيز” بيه.. و اخدوني في طريقهم بعد ما استأذنه.
رغم شعورها بصعوبة قول الحقيقة التي تجعلها تفيق من حُلمها الوردي إلاّ أنها كان عليها إلجام “سلوى” عن الكلام.
توقفت “سلوى” عن الكلام بعدما دلف زميلهم الغرفة وألقى عليهم التحية ثم بعده أتى السيد “عادل” رئيس قسمهم.
شغلت “ليلى” تفكيرها بالعمل إلى أن آتى وقت استراحتهم.
كعادتها لا تختلط بالكثير ودائمًا لها مكان بعيد عن بقية زملائها تجلس به لتريح رأسها وتتناول وجبتها الخفيفة التي تصر “عايدة” على أخذها معها.
اقتربت منها “سلوى” بعدما أنهت ثرثرتها مع البعض والتقطت من يدها سندوتش الطعام الذي تتناوله لتقضم لقمة منه.
_ مفيش حاجة بتستخبى في المصنع.
حدجتها “ليلى” بنظرة تحمل التساؤل؛ فمضغت “سلوى” لقمة الطعام وواصلت كلامها.
_ لكن ولا يفرق معاكِ يا “ليلى”، أنا وضحت ليهم الحكاية.
اعتلت الحيرة ملامح “ليلى” وتساءَلت.
_ فيه إيه يا “سلوى”، أنتِ ليه بتتكلمي بالألغاز.
جاورتها “سلوى” ثم التقطت التفاحة التي كانت بعُلبة الطعام.
_ موضوع نزولك من عربية “عزيز” بيه النهاردة منتشر في المصنع بس خلاص الكل عرف إن عمك سواق “عزيز” بيه…
ثم استطردت “سلوى” كلامها بمزاح ثقيل.
_ هنياله يا عم اللي يكون عمه سواق البيه.
لم تنتظر “ليلى” أن تسمع كلام أخر منها وقد أسرعت بالنهوض من جوارها والتقطت عُلبة الطعام التي صارت فارغة.
_ كويس إنك قولتلهم إن عمي سواق “عزيز” بيه يا “سلوى”
…
_ ابعدي الفون شوية يا “زينب”… خليني أعرف أشوف شكل البلوزة كويس.
زمت “زينب” شفتيها حانقة؛ فذراعها آلمها بسبب تمديده وتحريك الهاتف هنا وهناك.
_ يا “سما” بقالنا ساعة بنختار حاجة كويسة ألبسها وكل شوية لا ده مش مناسب لحد ما قلبنا الدولاب كله.
ضاقت عينين “سما” بنظرة عابسة وبنبرة مستاءه تمتمت.
_ يعني أنتِ بتجيبي اللوم عليا يا ناكرة الجميل.
وضعت “زينب” يدها على شفتيها حتى تكتم صوت ضحكاتها وهي ترى “سما” تتقمص دور عمهم “هشام” بالكلام.
_ الواحد مهما يعمل معاكم مفيش شكر ولا مقابل.
قهقهت كلتاهما وقد دخل “نائل” الغرفة عندما وصله صوت ضحكاتهما.
_ هاتي التليفون خليني اكلم المشاكسة اللي وحشت جدها.
_ ده هما يومين بس يا جدو بعدتهم عنك لحقت اوحشك.
قالتها “سما” وهي تنظر إلى صورة جدها عبر شاشة الهاتف.
_ طبعًا يا بكاشة وحشتيني.
تحدث “نائل” قليلًا مع حفيدته ثم نظر نحو “زينب” التي أخذت تجمع ثيابها الملقاه على الفراش وابتسم وهو يرى حيرتها في اختيار ثوب أنيق لترتديه أثناء عشائها مع “صالح”.
_ خدي يا “زينب” كملي كلامك مع “سما”.
_ لا أنا خلاص زهقت منها، كفاية ضيعت ساعة معاها ومخرجتش من المطار اتفسح في البلد شوية.
هتفت بها “سما” بمشاكسة وقد التقطت “زينب” الهاتف من جدها الذي ضحك على كلام حفيدته.
_ افتكري إن كل واحد له يوم يا حضرت المضيفة.
مطت “سما” شفتيها بعبوس ثم أخذت تحرك يدها على خصلات شعرها المعقودة.
_ قلبك أبيض أنتِ يا “زوزو” وبتنسي بسرعه.
وقبل أن تنهي “سما” مكالمتها، رفعت اصبعيها ثم غمزت لها.
_ هتخطفي النهاردة قلب وعقل “صالح الزيني” اللي عامل نفسه تقيل علينا.
آتى المساء، وفي تمام الساعة الثامنة مساءً…
كانت “زينب” تترجل من سيارة جدها وقد أخبرها أن تذهب بها.
بتوتر تحركت نحو المطعم الذي دعاها له “صالح” من أجل تناول وجبة العشاء والتحدث قليلًا عن حياتهم القادمة التي ستجمعهم سويًا.
فور دخولها ،أرشدها النادل على مكان طاولته التي اتخذها في إحدى الزوايا المنعزله بالمطعم.
بخطوات بطيئة تحركت “زينب” وقد استدار “صالح” هذه اللحظة ناحيتها.
تعلقت عيناه بها..؛ فلن ينكر أنها تحمل جمال هادئ وجسد رشيق وعينين واسعتين بهما براءة قلّما رأها في أعيُن النساء.
شعرت بنظراته -التي يمسح بها جسدها- كأنها تُجردها من ثيابها وسرعان ما كانت تقبض بتوتر على حقيبة يدها وتخفض رأسها في حرج.
نهض من مقعده وقد ظهر أخيرًا الضيف الذي أخبرها أنه سيعرفها عليه الليلة.
بلباقة يمتاز بها هتف بإعتذار ثم نظر نحو صغيره وعاد ينظر إليها.
_ المفروض كنت جيت أخدك بنفسي واسلم على “نائل” بيه لكن الاستاذ “يزيد” كان مصمم يقضي اليوم النهاردة مع جده وجدته ويدوب روحت جبته واستعدينا عشان نوصل في الميعاد مظبوط.
ابتسامتها الخجوله جعلته يدُرك أنه استطاع تمليق حجته.
بصوت خفيض ناعم خرج صوتها.



