سر البيت المقفول

جوزي منعني طول تمن سنين إني أزور بيت أمه في البلد ولما دخلته من وراه، عرفت السر اللي خلاني أتمنى إني ما فتحتش الباب أبدًا
في البداية، مكنتش شايفة الموضوع غريب. إياد دايماً كان عنده عذر جاهز ومقنع
يا حبيبتي البيت متبهدل، بنعمل فيه توضيبات وترميمات. بقلم منال علي
كان بيقول الجملة دي بمنتهى الطبيعية لدرجة إني كنت بصدقه من غير تفكير. ساعات كنت بقول في نفسي يا عيني ده ابن بار، وعاوز يخلي بيت والدته الست ليلى أحسن مكان عشان تعيش فيه بكرامة وهي في السن ده.
لكن السنين مرت.. والترميمات دي مكنتش بتخلص أبداً.
كل سنة يطلع حوار جديد.. شوية السطح بيسرب، شوية السباكة باظت، شوية بنجدد النقاشة، وبعدين مشاكل في أوراق البيت. دايماً في حاجة مانعاني بقلم منال علي
إحنا كنا عايشين في القاهرة، وهي في قرية صغيرة في ريف المنصورة. كنت ببعت لها هدايا، لبس، علاج، وحتى الحلويات اللي كان إياد بيقول إنها بتحبها.. وكان هو اللي بياخد كل حاجة ويسافر لها لوحده بقلم منال علي
أوقات كنت بكلمها في التليفون.. كانت ست ذوق جداً، بس كلامها قليل وصوتها دايماً طالع بالعافية، كأنها تعبانة أو شايلة هم جبل. وفجأة، التليفون مابقاش يجمع.. الخط اتقطع تماماً.
كل ما أسأله عن السفر أو إني وحشني أشوف البيت، إياد كان بيقلب الوش التاني ويغير الموضوع فوراً.. بدأ يبان عليه التوتر، مش العصبية، لأ.. التوتر بتاع حد بيحاول
يمنع باب من إنه يتفتح.
لكن أنا عمري ما تخيلت حجم المصيبة.
كل حاجة اتغيرت في يوم شتا مطير. محامي جه لغاية بيتنا على المغربية.. لسه فاكرة منظر المطر وهو نازل على إزاز الشباك والمحامي بيطلع ورق من شنطته.
وهناك، سمعت الخبر الصدمة الست ليلى ماتت.. بقالها أكتر من شهر!بقلم منال علي
بصيت لإياد بصدمة، لقيته انهار على الكنبة وخبى وشه بإيده وبدأ يعيط بحرقة.. بس وأنا بتفرج على المنظر ده، في حاجة جوايا اتجمدت.. حسيت إن في كذبة تانية، وكذبة كبيرة أوي كمان.
بعدها بكام يوم، إياد مكنش بينطق كلمة.. تايه في البيت وشكله مرعوب. فجأة قال إنه لازم يسافر مأمورية شغل لمدة أسبوع بقلم منال علي
أول ما نزل وشفت عربيته بتختفي في آخر الشارع، أخدت قراري.
روحت لدرج قديم كان بيشيل فيه مفاتيح قديمة، وأخدت مفتاح بيت والدته.. ودورت العربية وطلعت على المنصورة.
الطريق كان كأنه ملوش آخر.. وكل ما أقرب، ضربات قلبي بتزيد. كنت بحاول أقنع نفسي إن أكيد في سبب بسيط.. يمكن المحامي غلطان؟ يمكن في مشاكل ورث؟ أي حاجة.. أي حاجة غير اللي شفته هناك!بقلم منال علي
البيت كان في آخر حارة ضيقة، وحواليه شجر قديم.. بيت بسيط، بس مترتب وشكله يفتح النفس.
نزلت من العربية، ووقفت قدام الباب.. إيدي كانت بتترعش لدرجة إن المفتاح كان هيقع مني.
فتحت الباب ببطء.. وهنا جسمي كله قشعر.
في نور قايد جوه البيت!بقلم منال علي
مش نور شمس. . ده نور كهرباء. في حد جوه!
دخلت براحة.. البيت كان زي الفل، لا في ترميمات ولا تراب ولا دهانات.. كل حاجة في مكانها. وعلى ترابيزة المطبخ، كان في كوباية شاي لسه طالع منها دخان بقلم منال علي
قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت حاسة إن صوته مسموع في البيت كله.. ناديت بصوت واطي ومبحوح
يا جماعة.. في حد هنا؟
سمعت صوت خطوات في الممر.. خطوات بطيئة بتقرب.. وبعد ثواني.. ظهرت هي!بقلم منال علي
الست ليلى.. عايشة! واقفة قدامي بلحمها ودمها.
رجلي مالت بيا ومبقتش قادرة أقف. هي كمان كانت مرعوبة زيي.. شعرها بقى أبيض أكتر، ووشها عليه تعب السنين، بس هي.. مفيش شك.
قالت بصوت كأنه طالع من القبر
فريدة…؟بقلم منال علي
نطقت اسمي كأنها شافت شبح. أنا زوري اتخنق
بس.. المحامي قال إنك موتي!
الست ليلى سكتت شوية، وقعدت على الكرسي كأن قوتها هربت منها، وهمستبقلم منال علي
للدرجة دي جاله قلب يعمل كدة؟
قربت منها وأنا مش فاهمة حاجة
أنا مش فاهمة أي حاجة.. إياد كذب ليه؟ وليه منعني أجيكي طول السنين دي؟
رفعت عينيها في عيني، وشفت فيهم حزن قديم وتقيل أوي.. وقالت
عشان ابني مكنش عاوزك تعرفي الحقيقة.
معدتي قلبتبقلم منال علي
حقيقة إيه؟
قامت من مكانها وشاورت لي أمشي وراها.. مشينا في طرقة ضيقة لحد أوضة في آخر البيت.. أول ما فتحت الباب.. الدنيا اسودت في عيني.
كان في سريرين صغيرين.. لِعب مية في كل حتة.. ورسومات أطفال ملزوقة على الحيطة بقلم منال علي
ولد عنده حوالي 6 سنين بيلعب بعربية صغيرة، وجنبه عند الشباك بنت أكبر شوية بترسم في هدوء.
البنت رفعت عينيها وبصت لي.. وفي اللحظة دي دمي اتجمد في عروقي بقلم منال علي
البنت دي عينيها كانت نسخة طبق الأصل من عين إياد جوزي.
تيتة.. هي مين دي؟بقلم منال علي
البنت سألت بمنتهى البراءة.. وأنا مش قادرة أتنفس. بصيت للست ليلى، ودموعها كانت نازلة على وشها
دول ولاد إياد يا بنتي.
حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.. جوزي عنده ولاد ومخبيهم عني تمان سنين!
وقبل ما أستوعب الصدمة أو أنطق بكلمة.. سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت بقلم منال علي
الست ليلى غمضت عينيها بيأس.. وأكرة الباب بدأت تلف.
تفتكروا إياد هيقول إيه؟ ومين أم الولاد دول؟




