سر البيت المقفول

خبطة باب الصالة كانت قوية لدرجة إن البيت كله اتنفض.
محدش اتحرك من مكانه.. الثواني كانت بتمر كأنها سنين، ومفيش صوت غير صوت المروحة وهي بتلف في السقف ببطء بقلم منال علي
وفجأة.. ظهر إياد في الممر.
أول ما عينه جت في عيني وأنا واقفة جنب الولاد، وشه بقا أبيض زي الورقة.. الشنطة وقعت من إيده على الأرض.
قال بصوت واطي ومكسور، كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية جاية
فريدة…
بصيت له وأنا مش قادرة أحس حتى بالغضب.. كنت حاسة بتعب رهيب، فراغ كبير جوه قلبي ملوش آخر.
البنت الصغيرة جريت عليه فوراً وهي بتقول
بابا!بقلم منال علي
الكلمة دي خبطت في جسمي كله زي الرصاصة.. بابا.. مش خاله، ولا عمو، ولا

جارهم.. بابا.
إياد حضن الولدين بتلقائية، بس عينيه كانت لسه عليا.. كانت مليانة خوف، خوف حقيقي.
سألته بصوت مبحوح وقوة طايرة
من إمتى؟
مسح وشه بإيده وبان عليه العجز فجأة
من قبل ما أعرفك بقلم منال علي
غمضت عيني للحظة.. يعني دي الحكاية. تمن سنين عايشة مع راجل مخبي عني نص حياته التانية.
إياد كمل كلامه كأنه بيحاول يطفي حريقة
هما اتولدوا قبل جوازنا.. وأمهم ماتت وياسين لسه طفل رضيع.
بصيت للولاد تاني.. البنت ليلى على اسم جدتها عندها حوالي 8 سنين، وياسين الصغير يجي 6 سنين. ولاد زي القمر، وشوشهم بريئة ومش فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل.
وفي اللحظة دي فهمت أصعب حاجة.. إن الأطفال دول ملهمش ذنب، ولا ذنب في أي حاجة من كدب أبوهم بقلم منال علي
ليه عملت فيا كدة؟
إياد اتنهد ومقدرش يبص في عيني
لأني خفت تسيبيني.. كنت مرعوب أخسرك بقلم منال علي
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي طعم
وإنك تخبي عليا ولادك تمن سنين كان الحل الأحسن يعني؟
قرب مني خطوة
في البداية والله كنت عاوز أقول.. بس كل يوم كان بيمر الموضوع بيبقى أصعب، لحد ما بقت كورة تلج وكبرت غصب عني.
هزيت راسي ببطء
لأ.. دي مابقتش كورة تلج. . دي بقت حياة مزدوجة بقلم منال علي
السكوت كان تقيل أوي في البيت.. الست ليلى كانت واقفة بعيد مش قادرة تتدخل، وشكلها كانت شايلة هم الكذبة دي وتعبانة منها من زمان.
أنا بس كنت عاوز أحميهم.
إياد قال الجملة دي بمنتهى اليأس، فبصيت في عينيه وقلت له بكلمات واضحة
لأ يا إياد.. أنت كنت عاوز تحمي نفسك أنت بقلم منال علي
سكت ومطقش.. لأنه عارف إني صح.
البنت الصغيرة كانت بتراقبنا في صمت، وبعدين مشيت ناحيتي براحة وسألتني
هو أنتي طنط مرات بابا؟
السؤال ده كسرني أكتر من أي كدبة سمعتها.. بصيت لها بوجع وهزيت راسي أيوه.
ضغطت على القلم اللي في إيدها وقالت
هو كان دايما بيقولنا إن لسه بدري عشان نشوفك.
إياد غمض عينه بكسرة.. وأنا قلبي وجعني زيادة.
سألتها عن اسمهم، فقالت لي ليلى وياسين.. البنت والولد كانوا بيبصوا لي بخوف وتوتر بقلم منال علي
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.. إياد كان بيجي هنا مش عشان يزور والدته، كان بيجي عشان يعيش حياته التانية اللي مسحها من حياتنا إحنا. تمن سنين من الأعياد، المناسبات، مأموريات الشغل الوهمية.. كلها كانت كذبات كبيرة بتغطي حقيقة أكبر.
حطيت إيدي على بوقي وأنا بحاول أتنفس.. إياد قرب مني تاني
فريدة.. أرجوكي.. ممكن نحل كل ده بقلم منال علي
بس أنا في اللحظة دي اكتشفت حاجة مرعبة.. أنا مابقتش مصدقة أي كلمة بتطلع منه. لا دموعه، ولا يأسُه، ولا حتى حبه. لأن الثقة مش بتموت مرة واحدة، دي بتموت بالتدريج.. كدبة ورا كدبة.
في حاجات لما بتتكسر، مابتتصلحش تاني.
قلت الجملة دي وهو بدأ يعيط بجد.. بس دموعه ملمستش قلبي.
نزلت لمستوى الولاد الصغيرين وقلت لهمبقلم منال علي
أنتم ملكمش ذنب في أي حاجة.
ليلى الصغيرة سألتني بكسوف
أنتي هتمشي؟
بصيت لها وابتسمت ابتسامة حزينة
أيوه.. همشي.
قمت براحة وأخدت شنطتي.. إياد حاول يمسك إيدي، بس بعدت عنه فوراً.
بلاش يا إياد..
متعمليش كدة.. أنا بحبك!
رديت عليه برد عمري ما تخيلت إني هقولهبقلم منال علي
يمكن تكون بتحبني فعلاً.. بس أنت متعرفش تحب من غير ما تخبي أجزاء من الحقيقة.
وشه انهار تماماً.. والست ليلى بدأت تعيط في صمت. أعتقد إنها في اللحظة دي عرفت إن ابنها خسر أكتر من مجرد زوجة.. هو خسر الشخص الوحيد اللي كان لسه مصدقه بجد. بقلم منال علي
خرجت من الباب.. الهوا كان هادي والشمس كانت بتغيب. كل حاجة كانت هادية بشكل غريب رغم إن حياتي كلها كانت بتتهد.
إياد نادى عليا من ورايا
إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
رديت وأنا مدياه ضهري
دلوقتي.. هتعيش حياتك اللي اخترتها.. بس من غير ما تخبي حد.
ومشيت.. ومبصيتش ورايا.
الشهور اللي بعد كدة كانت صعبة.. مش بسبب الوحدة، بس لأني كان لازم أتعلم أعيش من تاني من غير الكذبة دي. بدأت أتعالج نفسياً، رجعت لهواياتي القديمة، وبدأت أهتم بنفسي وبأهلي.
الوجع مع الوقت مابقاش جرح مفتوح.. بقى مجرد ندبة بتفكرني باللي حصل بس مابتقتلنيش.
لحد ما في يوم، لقيت جواب في صندوق البوست.. الراسل كان اسم واحد بس ليلى.
فتحت الجواب وإيدي بترتعش.. كان مكتوب بخط طفولي
إزيك يا طنط فريدة..
تيتة ساعدتني أكتب لك عشان كنت عاوزة أقولك حاجة. شكراً إنك مكنتيش وحشة معانا في اليوم ده. أنا كنت خايفة تفتكري إننا وحشين وتكرهينا.. بس أنتي كنتي طيبة.
بابا بيعيط كتير لما بيفتكر إن محدش شايفه.. أعتقد إنه عرف إنه غلط.
كان نفسي كل حاجة تكون مختلفة..
مع حبي، ليلى.
فضلت باصة للجواب ده كتير.. ولأول مرة من يوم ما سيبت المنصورة.. ابتسمت.
مش عشان اللي فات.. بس عشان الماضي مابقاش له سلطة على مستقبلي.
لأن في النهاية.. الحقيقة مهدتش حياتي، هي بس شالت منها كل حاجة مكنتش حقيقية.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *