ظابط أمن المطار طلب مني أخرج من الطابور في اللحظة اللي كنت بقطع فيها البوردينج عشان أركب الطيارة. ورا الظابط كانت أمي، وفاء كمال، بتصرخ بصوت عالي لدرجة إن الناس اللي عند كاونترات مصر للطيران سابوا شنطهم ووقفوا يتفرجوا. كانت بتشاور عليا بنفس الصباع اللي بتشاور بيه على المواعين الوسخة والفواتير اللي مدفعتش، وكل فشل في حياتها كانت بترميه على قفاي دي سرقتنا! البنت دي فضت حسابات الشركة وكانت بتحاول تهرب بره البلد! أبويا، رضوان، كان واقف جنبها فارد صدره ووشه أحمر زي الدم، وزعق في أمين الشرطة اقبضوا عليها.. دلوقتي! قبل ما تحط رجلها في الطيارة. صالة 3 في مطار القاهرة فجأة اتحولت لسرادق، والناس كلها وقفت تتفرج، طفل صغير استخبى في هدوم أمه، وواحد بيصور بالموبايل، وسمعت حد بيهمِس يا ساتر يا رب، في إيه؟. عيلتي قررت تعملي محاكمة علنية قدام مصر كلها. بس أنا مكنتش باصة لأبويا وأمي خالص. أنا كنت باصة للي وراهم.. ظابط جوازات برتبة مقدم كان جاي ناحيتنا بهدوء مرعب، لبسه ميري ومكوي بالمسطرة. عينه كانت بتتحرك بين الباسپور اللي في إيده وبين وشي، وبعدين بص لإيد أمي اللي بتترعش، ورجع بصلي تاني. لثانية واحدة، بان عليه إنه مستغرب.. وبعدين عينه لمعت كأنه افتكر حاجة. آنسة وفاء؟ قالها وهو باصص لأمي. أمي سكتت فجأة.. وفي اللحظة دي هي عرفت إن الليلة مش هتخلص زي ما هي رسمت خالص. الحكاية من الأول حبسة المنصورة قبلها ب 3 أسابيع، كنت واقفة في مطبخنا في بيتنا اللي في المنصورة، ماسكة في إيدي علبة صاج فاضية. باسپوري اختفى. مش ضايع، ولا نسيته.. اتلطش. أمي كانت واقفة قدام البوتاجاز بتمسح الرخامة ببرود، وكأنها مخدتش أهم ورقة في حياتي ممكن تخرجني بره البلد. قالتلي مفيش سفر. أبويا ساند ضهره على التلاجة ومربع إيده أومال مين اللي هيدير حسابات المحلات ويشيل الشغل؟ رديت وصوتي بالعافية طالع طيارتي بكرة الصبح من القاهرة، والتدريب بتاعي في إيطاليا هيبدأ يوم الإثنين. أمي حتى ملفتش وشها أختك هنا حامل وتعبانة ومحتاجة اللي يراعيها، والمحلات محتجاكي.. إيطاليا مش هتطير. بس إيطاليا كانت هتطير.. دي مكنتش فسحة، دي كانت منحة شيف عمومي في روما، الفرصة اللي ضيعت سنين من عمري بذاكر وبشتغل عشانها. أنا اشتغلت 15 ساعة في اليوم في محلات كمال للتموين، بظبط الدفاتر، وبجهز الشغل، وبسكت الموردين، وبنقذ العيلة في كل مرة منظرة رضوان وطمع وفاء كانوا هيودونا ورا الشمس ونفلس. في الوقت اللي هما كانوا بيعيشوا فيه دور أعيان البلد، أنا كنت ببني مستقبلي في السكات. كنت بطلع أوردرات كاترينج لشركات بترول في جمصة ودمياط، وبسجل كل مليم، وحوشت مبلغ محترم في حساب هما ميعرفوش عنه حاجة. الفلوس دي كانت تمن حريتي. والباسپور ده كان المفتاح. وأهلي خدوا الاتنين. خيانة الفيزا وظهور المنقذ في الأول عملت اللي هما متوقعينه.. حبست نفسي في أوضتي وفضلت أعيط لما صدري وجعني. تابعت طيارتي وهي طالعة من مطار القاهرة على الموبايل، شفت الطيارة وهي بتبعد عن خريطة مصر من غيري. وتحت، كانت أمي مشغلة التلفزيون وبتشرب شاي، وأبويا بيراجع حسابات المحل، وأختي هنا بتشتكي من الدلع والوخم. بالنسبة لهم، الدنيا رجعت تمام. أنا الشغالة اللي بتجيب القرش، وهنا هي الهانم اللي بتتدلع. تاني يوم بليل، فتحت أبليكيشن البنك وأنا مستنية أشوف شقا عمري.. بس لقيت رسالة باللون الأحمر بتنور في وشي عملية معلقة سحب 150 ألف جنيه.. لجهة معرض موبيليا جهاز المولود الجديد. أمي استخدمت حساب قديم كانت واصية عليا فيه من لما كنت قاصر، وبدأت تسحب شقايا عشان تجهز لابنة هنا. في اللحظة دي قلبي اللي كان مكسور اتحول لحتة تلمج. تاني يوم الصبح، رحت فرع البنك في المشاية، لغيت التحويل، قفلت الحساب المشترك، ونقلت كل مليم لحساب جديد باسمي وبس. رجعت البيت، لبست المريلة، وفضلت أخرط بصل بكل هدوء كأني البنت المطيعة. أمي ابتسمت لما شافتني.. افتكرت إنها كسرِتني. مكنتش تعرف إني لسه ببدأ. بليل، جاتلي رسالة واتساب من رقم غريب. كانت من فاليري، طليقة أخويا الكبير اللي هربت من جبروت أهلي من سنين وشغالة دلوقتي في جهة سيادية في طنطا. الرسالة كانت بتقول أنا عارفة هما عملوا إيه في باسپورك. قابليني بكرة الساعة 6 الصبح في كافيه عند المحطة.. هاتي شهادة ميلادك وتعالي لوحدك. تاني يوم الصبح، فاليري بصت في عيني وقالتلي الصدمة أمك مش بس خبت باسپورك.. دي بلغت القسم إن الباسپور ضاع واتسرق منك، وعملت محضر باسمك عشان توقف حالك خالص. ساعتها بس فهمت.. أمي مبنتش سور عشان تمنعني، أمي كانت بتجهز لي كلبش. أول ما فاليري قالت لي موضوع المحضر ده، جسمي كله قشعر. أمي مش بس عايزة تمنعني من السفر، دي كانت عايزة تلبسني قضية بلاغ كاذب وتدمر سمعتي عشان أفضل تحت طوعها العمر كله. الجزء الثاني رد القلم فاليري بصت لي بحدّة وقالت بصي يا بنت الناس، أهلك فاكرين إنهم أذكى من الحكومة، بس هما وقعوا في شر أعمالهم. أمك لما راحت بلغت، بلغت في قسم أول المنصورة وانتحلت صفك، بس حظها الأسود إن اليوم ده السيستم كان واقع والمحضر اتعمل يدوي، والظابط اللي استلم منها كان لسه جديد وما يعرفكيش. طلعت من شنطتها ظرف وادتهوني ده باسپوري جديد، طلعتولك بدل فاقد بمعرفتي وبشغل رسمي وقانوني 100 لأن المحضر اللي أمك عملته أصلاً باطل قانوناً لأن مش إنتي اللي وقعتي عليه. السفرية لسه قائمة، والطيارة بعد بكرة. رجعت البيت وكأني مكسورة الجناح. كنت بسبقهم بخطوة وهم مش دريانين. يوم السفر الصبح، استنيت لما البيت كله نام، سحبت شنطتي اللي كنت مخبياها فوق السطوح، وطلعت جِري على محطة القطر ومنها على مطار القاهرة. كنت فاكرة إن الكابوس خلص، لحد ما وصلت عند بوابة الجوازات.. وهنا كانت الصدمة. أمي وأبويا مكنوش نايمين. كانوا مراقبين موبايلي عن طريق جي بي إس ووصلوا المطار قبلي ب 10 دقايق. أول ما شافوني، الدنيا اتقلبت. المواجهة الكبرى في صالة 3 أمسكوها! حرامية وهربانة! صوت أمي رن في الصالة كلها. الظابط اللي حكيتلك عنه في الأول، المقدم حازم، قرب مننا والكل سكت. أمي بدأت تطلع تمثيلية الأم المقهورة يا سيادة البيه، البنت دي سرقت شقى عمرنا وفلوس المحلات، وعاملة محضر بضياع باسپوره عشان تطلع غيره وتهرب، إحنا خايفين عليها وبنحميها من نفسها! أبويا كمل بوش خشب معاها باسپورت مضروب يا فندم، اسحبوه منها واقبضوا عليها. المقدم حازم بص للباسپور اللي في إيده، وبعدين بص لأمي وقال ببرود يقطع النفس إنتي بقى وفاء كمال؟ أمي اتلخبطت وقالت أيوه يا بيه، أنا أمها. قالها تمام.. والآنسة اللي واقفة دي بنتك سلمى؟ هزت راسها بلهفة أيوه هي، اقبض عليها بقى! المقدم حازم ضحك ضحكة صفيرة، وطلع جهاز تابلت من وراه وورّاها صورة غريبة.. السيستم عندي بيقول إن سلمى بلغت عن سرقة باسپورتها من أسبوع، وصور الكاميرات في القسم متبينة إن الست اللي كانت بتنتحل شخصيتها وبتمضي مكانها هي... إنتي يا ست وفاء. أمي وشها بقى أصفر زي الكركم، ورجلها مقتش شايلاها. الظابط كمل وهو بيبص لأبويا وبالنسبة للفلوس، الآنسة قدمت كشف حساب يثبت إنها فلوسها من شغلها الخاص، وقدمت بلاغ رسمي بمحاولة استيلاء على أموال قاصر سابقاً عن طريق التلاعب بالحسابات المشتركة. بص لي المقدم حازم وقال بابتسامة هادية تقدري تتفضلي على طيارتك يا آنسة سلمى، باسپورتك سليم 100 وإجراءاتك قانونية. بصيت لأمي وأبويا لآخر مرة.. مكنتش حاسة بانتصار، كنت حاسة بوجع إنهم وصلوني لكده. أمي كانت هتموت من الغيظ وهي شايفة الموتور اللي بيشغل حياتهم بيطير بعيد. أبويا حاول يزعق، بس العسكري حط إيده على كتفه اتفضل معانا يا حاج إنت والست الوالدة.. مطلوبين في استكمال محضر انتحال الشخصية والبلاغ الكاذب. مشيت وأنا سامعة صوت وفاء وهي بتصرخ يا بنتي ارجعي! بس المرة دي صراخها كان خوف من اللي مستنيها في القسم، مش خوف عليا. ركبت الطيارة، ربطت الحزام، ولأول مرة في حياتي.. شميت ريحة الحرية. بمجرد ما الطيارة بدأت تتحرك على الممر، غمضت عيني وحسيت بتقل انزاح من على صدري. لأول مرة من سنين، مفيش وفاء هتصحيني بصريخ عشان أنزل المحل، ومفيش رضوان هيحسسني إني مجرد آلة بتطبع فلوس. الفصل الأخير الحساب يجمع وصلت روما، وانغمست في الدراسة والشغل. كنت بشتغل في مطعم صغير جنب نافونا الصبح وبدرس بليل. السكن كان بسيط، بس كان فيه حاجة أغلى من القصور الأمان. بعد شهرين، جالي اتصال من فاليري. قالتلي بضحكة خفيفة مبروك يا شيف، المنصورة كلها بتتكلم عن اللي حصل. حكت لي إن المحضر كبر، والنيابة حققت في موضوع انتحال الشخصية. أمي عشان تخلص نفسها، لبست الموضوع لأبويا وقالت إنه هو اللي أجبرها. وأبويا من غيضه، اعترف إنهم كانوا بيتهربوا من الضرائب في المحلات بقالهم سنين، والرقابة نزلت شمعت فرعين من المحلات وصفتهم على الحديدة. هنا أختي، جوزها طلقها لما عرف إن الفلوس اللي كانت مجهز بها البيت مسروقة من أختها، ورجعت قعدت في بيت أهلي اللي بقى عبارة عن خرابة مفيهاش غير الندم. المواجهة الأخيرة عبر الشاشة في يوم، لقيت مكالمة فيديو من رقم أمي. رديت. وشها كان تعبان، والبيت وراها كان باين عليه الفقر اللي بدأ ينهش فيهم بعد ما الموتور أنا سابهم. قالتلي وهي بتعيط يرضيكي يا سلمى؟ أبوكي مريض، والمحلات ضاعت، وأختك مطلقة.. هوني عليكي ورجعي لنا الفلوس اللي في البنك، إحنا أهلك يا بنتي. بصيت لها بهدوء، وقلت لها الكلمة اللي كانت دايماً بتقولها لي لما كنت بطلب أرتاح الشغل شغل يا ماما.. وإيطاليا مابترجعش لورا. قفلت السكة، وعملت بلوك لكل الماضي. طلعت بلكونة شقتي الصغيرة، بصيت على شوارع روما، وطلعت باسپوري الجديد.. شميته وكأنه فيه ريحة بخور. أمي كانت فاكرة إنها نصبت لي فخ في مطار القاهرة.. مكنتش تعرف إنها كانت بتبني لي مدرج عشان أطير منه لأحلى حياة. النهاية.