ابنتي كانت تقول اني سريرها يضيق كل ليله

بابا أختي الصغيرة رجعت؟
خرجت الجملة من السماعة كخيط رفيع بالكاد يُسمع.
اعتدل سامر فجأة في الصورة.
لم يتكلم.
لم يرد.
فقط بقي ينظر إلى ليان وكأنه سمع شخصًا ميتًا يناديه باسمه.
أما أنا، فكنت ما أزال واقفة في الممر، أضغط الهاتف على صدري بقوة.
لم أكن أتنفس.
في الشاشة، أخرج سامر السوار الوردي من تحت الوسادة وأعاده إلى جيب بنطاله.
ثم انحنى قليلًا وقبّل الهواء قرب رأس ليان دون أن يلمسها، وكأنه لا يجرؤ.
خرج من الغرفة.
ركضت عائدة إلى سريري قبل أن يصل.
استلقيت على جانبي وأغلقت عيني، متظاهرة بالنوم بينما جسدي كله يرتجف.
دخل سامر بعد دقائق.
وقف بجانب السرير.
بنفس الطريقة التي وقف بها قبل قليل قرب سرير ابنتنا.
هناء همس بصوت منخفض.
لم أرد.
شعرت بالفراش يهبط عندما تمدد بجانبي.
تأخر تنفسه طويلًا قبل أن يهدأ.
أما أنا فلم يعد نفسي طبيعيًا طوال تلك الليلة.
عند السادسة صباحًا، وما إن دخل سامر الحمام، حتى ذهبت مباشرة إلى غرفة ليان.
كانت ابنتي نائمة متكوّرة عند الحافة اليمنى من السرير.
مصباح القمر ما يزال مضاءً.
إحدى الدمى مرمية على الأرض.
والغطاء مجعّد في الجهة اليسرى حيث كان سامر مستلقيًا.
أدخلت يدي تحت الوسادة.
لم أجد شيئًا.
بدأت أبحث بين الشراشف، وبين الدمى، وخلف اللوح الخشبي للسرير.
ثم وجدته.
شريط وردي صغير عالق بين المرتبة وقاعدة السرير.
لم يكن لليان.
كانت عليه بطاقة مستشفى

قديمة، باهتة، يكاد الحبر يختفي منها.
قرأت ما بقي واضحًا.
L. AlRawi
وتحتها تاريخ.
نفس تاريخ ميلاد ليان.
توقف صوت الماء في الحمام.
أخفيت الشريط داخل ملابسي بسرعة، ومسحت وجهي بكفي، ثم ذهبت إلى المطبخ وكأن الصباح ما يزال طبيعيًا.
حضّرت القهوة.
سخّنت الخبز.
ووضعت في حقيبة ليان المدرسية سندويشة صغيرة وعنبًا مقطعًا وملاحظة قصيرة داخل المحرمة، لأنني فجأة شعرت أن ابنتي تحتاج أن تعرف، حتى لو لم أستطع شرح شيء لها، أنني ما أزال هنا.
نزل سامر بملابس مرتبة كعادته.
صباح الخير.
قبّل خدي.
وشعرت بالقرف من حنانه.
صباح النور.
دخلت ليان وهي تسحب حقيبة اليونيكورن خلفها.
كانت الهالات السوداء تحت عينيها واضحة.
جلست بصمت، ثم نظرت إلى سامر بمزيج غريب من الحب والخوف.
بابا دخلت غرفتي البارحة؟
توقف الكوب في يد سامر منتصف الطريق.
أما أنا، فشددت أصابعي حول السكين التي كنت أقطع بها الفراولة.
ليش تسألين يا أميرتي؟
هزّت كتفيها.
حسّيت أحد كان جنبي.
ابتسم سامر.
كنتِ تحلمين.
بس سمعتك تبكي.
انقسم المطبخ إلى نصفين.
في الخارج مرّت سيارة النفايات بصوتها المعتاد، وأحد الباعة كان ينادي على الخضار من آخر الشارع.
أما داخل بيتي فشعرت وكأن قبرًا انفتح بيننا.
وضع سامر الكوب على الطاولة.
ليان، أحيانًا الأحلام تبدو حقيقية.
رفعت الصغيرة عينيها نحوه.
وحتى أختي الصغيرة حلم؟
لا أعرف كيف لم يسقط الطبق من يدي.

نظر سامر إليّ.
ونظرت أنا إلى ليان.
أي أخت يا حبيبتي؟
خفضت رأسها.
بابا قال لا أحكي عنها.
وقف سامر بسرعة.
سنتأخر على المدرسة.
سامر
قلت سنتأخر.
لم يسبق أن كلمني بهذه الطريقة أمام ليان.
باردًا.
حادًا.
بذلك الصوت الذي يستخدمه الأطباء داخل غرفة العمليات حين لا يجرؤ أحد على مناقشتهم.
لكنني كنت قد رأيت التسجيل.
وقرأت السوار.
ولم أعد أشعر أنني متزوجة من طبيب متعب.
كنت أعيش مع سر.
أوصلت ليان إلى المدرسة بنفسي.
أصر سامر أن يأتي معنا، لكنني ادعيت أن أمي اتصلت بي وخرجت بسرعة قبله.
قدت السيارة في شوارع بغداد ويدي تؤلمني من شدة التوتر.
عندما وصلت، انحنيت أمام ليان ورتبت شعرها.
اليوم ما تروحين مع أي أحد غيري، مفهوم؟
نظرت إليّ بخوف.
حتى بابا؟
كسرتني تلك الجملة.
اليوم لا.
هزّت رأسها ببطء.
سويت شي غلط؟
حضنتها بقوة لدرجة أن المعلمة عند الباب نظرت إلينا بقلق.
لا حبيبتي إنتِ ما غلطتِ بشي أبدًا.
ثم ذهبت مباشرة إلى مستشفى الأطفال في بغداد.
ليس لأن سامر يعمل هناك.
بل لأنه لا يعمل هناك.
صديقتي القديمة سارة كانت طبيبة أطفال هناك.
منذ زواجي، لم نعد نلتقي كثيرًا، لأن سامر كان يقول دائمًا إن صديقاتي يملأن رأسي بالقلق.
لكنها ردّت من أول اتصال.
وعندما أخبرتها نصف الحقيقة فقط، قالت فورًا
تعالي وجيبي كل شي عندك.
استقبلتني داخل كافتيريا صغيرة تفوح منها رائحة القهوة والخبز الساخن.
رأت السوار.

شاهدت التسجيل.
وشحب وجهها.
هناء هذا يبدو كسوار ولادة.
ليان انولدت وحدها.
لم ترد.
وكان صمتها أكثر رعبًا من أي كلام.
ولادتك كانت قيصرية، صح؟
هززت رأسي.
تذكرت الأضواء.
البرد.
صوت سامر وهو يطلب مني أن أتنفس.
ثم الظلام.
ثم استيقاظي وليان بين ذراعي.
وتذكرت شيئًا دفنته داخل رأسي لسنوات.
إحساسًا بأنني سمعت بكاءً آخر.
أضعف.
أبعد.
لكن سامر أخبرني يومها أنه لطفل في غرفة مجاورة.
وضعت سارة يدها فوق يدي.
لازم تشوفين ملف ولادتك الأصلي.
سامر عنده كل الملفات.
إذن تحتاجين جهة رسمية تطلبها.
خرجت من المستشفى واسم جهة تحقيق مكتوب على ورقة داخل حقيبتي.
قالت سارة إن عليّ ألا أنتظر.
وإن كانت هناك طفلة أخرى فعلًا فكل ساعة مهمة.
في الشارع، كان هواء بغداد ثقيلًا برائحة الغبار والعوادم والشاي المغلي.
الناس تتحرك بسرعة.
موظفون.
طلاب.
أمهات يحملن أطفالًا نائمين.
أما أنا فكنت أمشي وسوار مستشفى مخبأ قرب صدري، وكأنني أحمل قنبلة.
قبل أن أذهب لأي جهة رسمية، عدت إلى البيت.
لم يكن يجب أن أفعل.
لكنني كنت أحتاج دليلًا.
لم يكن سامر هناك.
قالت العاملة إن المستشفى استدعاه لعملية طارئة.
صعدت إلى مكتبه.
وبحثت داخل الأدراج التي كان يغلقها دائمًا.
المفتاح كان داخل كتاب تشريح قديم.
في المكان الذي يظن أنني لن أفتش فيه أبدًا.
فتحت الدرج.
وجدت ملفات مرتبة حسب السنوات.
حملي كان داخل ملف رمادي مكتوب عليه

اسمي الكامل.
فتحت الملف.
وكان أول ما رأيته صور أشعة لم أرها في حياتي.
كيسان.
نبضان.
واسمان مكتوبان بقلم رصاص.
ليان.
لُمى.
جلست على الأرض فورًا.
لم أعد أشعر

بساقيّ.
في ورقة أخرى مكتوب
الطفلة الثانية تحويل حديثي ولادة موافقة د. سامر الراوي.
الطفلة الثانية.
هكذا كُتبت.
ليس اسمًا.
ليس إنسانة.
مجرد حالة.
وفي الأسفل
شهادة وفاة.
لُمى سامر الراوي.
مولودة الساعة 213.
متوفاة الساعة 213.
نفس الساعة.
نفس الكذبة.
وفجأة سمعت باب البيت يُفتح في الأسفل.
أغلقت الملف بسرعة، وأخفيت ثلاث ورقات تحت ملابسي بينما يداي ترتجفان بشكل لا أستطيع السيطرة عليه.
سمعت صوت سامر في الطابق السفلي يتحدث عبر الهاتف.
نعم يمّه هناء بدأت تشك. سأذهب لآخذ ليان أبكر من المدرسة وبعدها نتصرف.
تجمّد الدم داخل عروقي.
لم أنزل.
اختبأت داخل حمام الممر وأغلقت الباب بهدوء، ثم اتصلت بالمدرسة فورًا.
أنا والدة ليان الراوي ممنوع تسلمون ابنتي لوالدها اليوم مهما قال.
ترددت الموظفة.
دكتورة هناء، الدكتور سامر اتصل قبل قليل وقال إنه سيأخذها لمراجعة طبية.
بدأ صوتي ينهار.
لا تسلموها أنا جاية الآن ومعي الشرطة.
سمعت خطوات سامر تصعد الدرج.
أغلقت الهاتف بسرعة.
فتحت نافذة الحمام الصغيرة وخرجت إلى سطح الخدمة، مثل لصّة تهرب من بيتها هي.
عبرت إلى بيت الجيران عبر جدار منخفض، وركبتاي ترتجفان من الخوف والغبار يملأ ملابسي.
كانت أم مصطفى تنشر الغسيل فوق السطح.
التفتت نحوي بفزع عندما سقطت قرب أصص النعناع.
يا ساتر هناء! شبيك؟
أريد هاتفك بسرعة.
لم تسأل.
هناك نساء يعرفن من أول نظرة أن امرأة

أخرى تهرب من شيء أخطر من الكلام.
اتصلت بالشرطة.
ثم بسارة.
ثم بالجهة التي أعطتني اسمها.
وصلت إلى المدرسة بنفس اللحظة التي وصلت فيها الدورية.
كان سامر هناك بالفعل.
واقفًا داخل الإدارة بكامل هدوئه، ومعطفه الأبيض ظاهر تحت سترته، يبتسم بتلك الثقة التي يملكها الرجال الذين اعتادوا أن يصدقهم الجميع.
أما ليان فكانت جالسة على كرسي صغير تضم حقيبتها إلى صدرها وعيناها مليئتان بالدموع.
هناء قال سامر بهدوء بارد أنتِ تضخمين الموضوع بشكل مؤذٍ.
لم أرد عليه.
ركضت نحو ليان واحتضنتها فورًا.
حاول سامر الاقتراب.
لكن الشرطي أوقفه.
هذه ابنتي.
أخرجت الأوراق من تحت ملابسي وسلمتها للضابطة.
وهذه أيضًا.
اختفى اللون من وجه سامر.
ولأول مرة منذ عرفته رأيته خائفًا.
في التحقيق، لم تظهر الحقيقة دفعة واحدة.
بل خرجت قطعة قطعة.
كأنهم يفتحون جرحًا قديمًا دون مخدر.
ليان ولُمى ولدتا داخل مستشفى خاص في بغداد.
أنا تعرضت لنزيف حاد بعد الولادة وتم تخديري بالكامل.
وخلال تلك الساعات سجّل سامر، بمساعدة والدته ومدير إداري في المستشفى، لُمى على أنها متوفاة.
لكنها لم تمت.
تم تسليمها لعائلة خارج بغداد لم تستطع الإنجاب، مقابل مصاريف طبية دُفعت بعيدًا عن أي أوراق رسمية.
وعندما توفي الزوجان قبل أشهر في حادث سير، بقيت لُمى مع خالتها التي بدأت تبحث عن أوراق حقيقية لتسجيلها في المدرسة.
وهنا ظهر اسم سامر من جديد.
وهنا

فهم أنه لن يستطيع إخفاء السر أكثر.
ولهذا بدأ يدخل غرفة ليان كل ليلة.
ليس ليؤذيها بالطريقة التي تخيلتها في أول لحظة رعب.
بل لأنه كان ينهار.
كان يشاهد ابنته تنام بينما ابنته الأخرى تعيش في مكان آخر، بالدم نفسه والملامح نفسها وحياة سُرقت منها منذ أول دقيقة.
ليش؟ سألت وأنا أنظر إليه عبر طاولة التحقيق.
كان يجلس بلا معطف طبي.
بلا هيبة.
بلا قناع.
كنتِ ستموتين يا هناء.
هذا ليس جوابًا.
خفض رأسه.
أمي قالت إننا لن نستطيع تربية طفلتين كنت في بداية عملي علينا ديون والعائلة الثانية كانت تريد طفلة بأي طريقة.
ضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأنني لو لم أضحك كنت سأقتله بيدي.
بعت ابنتي؟
رفع عينيه نحوي بسرعة.
أنقذتها.
سرقتها.
خفض رأسه مرة أخرى.
ظننت أن الأمر لن يُكشف أبدًا.
وهنا فهمت الحقيقة كاملة.
لم يكن نادمًا لأنه فعلها.
بل لأنه انكشف.
وصلت حماتي بعد ساعة وهي تمسك مسبحة سوداء وتصرخ بأن سامر رجل محترم، وأنني دائمًا أعاني من أوهام وقلق.
لكن الضابطة وضعت أمامها نسخة من أوراق المستشفى.
توقيعك موجود هنا كشاهد.
اختفى صوتها فجأة.
كانت ليان في غرفة أخرى مع سارة.
عندما دخلت إليها، رفعت رأسها نحوي فورًا.
عندي أخت حقيقية؟
ركعت أمامها.
لم أعرف كيف يمكن لأم أن تخبر طفلتها أن حياتها كلها بُنيت فوق كذبة.
فقلت الحقيقة الوحيدة التي بقيت واضحة.
نعم.
بدأت تبكي وهي متعلقة برقبتي.
يعني كانت تجي فعلًا
ضممتها

أكثر.
ولم أخبرها أن أحدًا لم يكن يأتي من الظلام.
بل إن السر نفسه كان يعيش معنا داخل البيت طوال تلك السنوات.
بعد يومين بدأت إجراءات البحث الرسمية عن لُمى.
لم يكن الأمر مثل الأفلام.
لا مطاردات.
لا موسيقى مؤثرة.
فقط اتصالات طويلة، أوراق، أسماء مكتوبة بشكل خاطئ، وموظفون يبحثون داخل ملفات قديمة بين المستشفيات والمدارس والسجلات.
كنت أعيش كل ساعة وكأنها سنة كاملة.
ليان لم تعد تريد النوم وحدها.
صارت تنام بجانبي كل ليلة، وتتمسك بيدي حتى تغفو.
أما أنا فلم أعد أحتمل رؤية الباب مغلقًا.
في اليوم الثالث، اتصلت سارة.
كنت في المطبخ أحاول إعداد الشاي بينما يداي ترتجفان من التعب.
هناء أعتقد أنهم وجدوها.
توقف كل شيء داخلي.
حتى صوت أنفاسي اختفى.
قالت إن طفلة بعمر ليان تعيش مع خالتها في أطراف أربيل، وإن الاسم الذي كانت تعيش به ليس لُمى.
بل لانا.
ولم يكن اسم سامر موجودًا في أوراقها الحالية.
اسم مختلف.
عائلة مختلفة.
وحياة كاملة فوق حياة مسروقة.
لم يسمحوا لي برؤيتها فورًا.
كانت هناك إجراءات.
أخصائيات.
موافقات.
أسئلة لا تنتهي.
لكنني كنت أشعر أن قلبي يركض نحوها حتى قبل أن أراها.
في صباح رمادي، أخذوني إلى مركز رعاية صغير قرب أربيل.
المكان هادئ بشكل مؤلم.
جدران فاتحة.
ألعاب أطفال قديمة.
ورائحة معقمات خفيفة تذكرني بالمستشفيات.
كانت ليان معي.
تمسك يدي بقوة حتى بدأت أصابعي تؤلمني.
ثم فُتح

الباب.
ودخلت طفلة صغيرة برفقة أخصائية اجتماعية.
شعرها أقصر من شعر ليان.
لكن عينيها
كانتا عينَيّ أنا.
شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
لم تركض

نحوي.
لم يكن من حقّي أن أتوقع ذلك.
بالنسبة لها كنت امرأة غريبة.
أما أنا، فكنت أحاول ألا أنهار أمام طفلة سُرقت مني مرتين.
مرة يوم أخذوها.
ومرة لأن ثماني سنوات كاملة مرّت من دون أن أعرف شكل ضحكتها.
جلست الأخصائية قربها بلطف.
هذه هناء.
نظرت إليّ الطفلة بحذر.
ثم التفتت نحو ليان.
ليان اقتربت خطوة صغيرة.
أنا ليان.
وسّعت الطفلة عينيها قليلًا.
لم تكونا متطابقتين تمامًا.
لكن كان هناك شيء واضح بينهما.
شيء لا تستطيع السنوات ولا الأكاذيب قطعه.
همست الطفلة أخيرًا
أنا كنت أشوفك بأحلامي.
بدأت ليان تبكي فورًا.
أما أنا فلم أعد قادرة على منع دموعي.
في الخارج كانت السماء تمطر بهدوء.
وصوت المطر فوق النوافذ بدا كأنه يغسل شيئًا قديمًا جدًا داخلنا.
لُمى لم تنتقل لتعيش معنا مباشرة.
لم يكن ذلك عادلًا لها.
كانت لها حياة أخرى.
مدرسة أخرى.
ذكريات أخرى.
كان هناك جلسات طويلة مع الأخصائيات، وزيارات متكررة، وأيام تعود فيها ليان للبيت وهي تسأل
متى تجي أختي تنام ويانا؟
ولم أكن أعرف كيف أجيب.
أما سامر فبدأ ينهار ببطء.
في أول جلسة تحقيق بعد العثور على لُمى، لم يعد قادرًا حتى على رفع عينيه نحوي.
بدا أصغر بعشرين سنة.
مرهقًا.
ومكسورًا من الداخل.
لكنه رغم ذلك لم يقل مرة واحدة أنا آسف.
وكأن الاعتذار لم يعد يكفي لشيء بهذا الحجم.
في إحدى الليالي، بينما كانت ليان نائمة بجانبي، وجدت سامر جالسًا وحده في الصالة المظلمة.
لم يشغل التلفاز.
ولم يتحرك عندما دخلت.
فقط قال بصوت منخفض جدًا
كانت تشبهك أكثر وهي صغيرة.
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
لا تتكلم عنها وكأنك كنت أبًا لها.
أغلق عينيه.
ولأول مرة رأيت الدموع تنزل فعلًا.
لكنني لم أشعر نحوه بشيء.
لا شفقة.
لا حب.
ولا حتى كره كامل.
فقط فراغ.
بعد أشهر طويلة، جاءت الليلة التي نامت فيها ليان ولُمى داخل البيت نفسه لأول مرة.
وضعت لهما سريرين منفصلين داخل الغرفة.
ملاءات جديدة.
ومصباحين صغيرين.
واحد على شكل قمر.
والثاني نجمة.
نظرت ليان إلى أختها بخجل.
وإذا خفتِ بالليل تعالي عندي.
ابتسمت لُمى ابتسامة صغيرة جدًا.
بس لا تدفعيني للحافة.
ضحكت ليان.
وضحكت لُمى بعدها بثوانٍ.
وكانت تلك أول مرة منذ سنوات أشعر أن البيت يتنفس بشكل طبيعي.
قبل أن أطفئ الضوء، أخرجت لُمى رسمة صغيرة من حقيبتها.
بيت.
وشباكان.
وامرأة تقف بين طفلتين تمسكان يد بعضهما.
ناولتها لي بصمت.
لم تقل ماما.
ليس بعد.
لكنها اقتربت خطوة.
وذلك كان كافيًا بالنسبة لي.
في تلك الليلة، لم أفتح الكاميرا.
ولم أراقب الأبواب.
تركت غرفة البنات مفتوحة قليلًا، وجلست في الممر أسمع أنفاسهما الهادئة.
وعند الساعة 213 بعد منتصف الليل فتحت عيني تلقائيًا.
كل شيء كان هادئًا.
ليان نائمة بعمق.
ولُمى مستلقية على ظهرها ويدها خارج الغطاء.
لا أحد دخل الغرفة.
لا أحد بكى قرب السرير.
ولا أحد أخفى أسرارًا تحت الوسادة.
اقتربت منهما بهدوء، وعدّلت الغطاء فوق جسديهما الصغيرين.
وعندها فقط فهمت الحقيقة.
بيتي لم يكن مسكونًا.
وابنتي لم تكن ترى أشباحًا.
الشيء الميت الوحيد داخل هذا البيت كان السر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *