شقه مسكونه

زمان، مدهون لاكيه نبيتي غامق، ومتغرق إعلانات سباكين وكهربائية مقطعة، والقفل مصدي على الآخر.
​أحمد إيده كانت بترتعش وهو بيطلع المفتاح، وحاول كذا مرة لحد ما الباب فتح بصوت تزييق يوجع السنان.
​​أول ما الباب فتح، هبت في وشنا ريحة غريبة تخنق.
ريحة غريبه جدا ونفاذة وتقيلة تكتم النفس.
​الشقة كانت ضلمة كحل، ومفيش نور شغال.
​أحمد وقف عند العتبة برة ومارضيش يدخل خطوة واحدة:
​”اتفضل يا استاذ عماد شوفها أنت، أنا هستناك هنا على السلم.”
​ماتشغلتش بيه ودخلت علطول.
​الشقة كانت أوضة وصالة وحمام ومطبخ صغار جداً.
​الحيطان كانت سودا كأن كان فيه حريقة، بس لما مشيت إيدي عليها ملقيتهاش هباب فحم، لقيت مادة لزجة كدة وبتلزق في الإيد .
​الأرض كلها تراب شبر.
​مفيش كراكيب جوة غير سرير خشب قديم مكسور ودولاب برجل واحدة ملوحة.
​هي دي بقى الشقة اللي الناس مابتكملش فيها خمس دقائق؟
قولتها وانا نفسي مخنوق من الريحه الغريبه بس بحاول اقنع نفسي ان كل شئ عادي
​عادية يعني، قديمة ومتربة وريحتها تضايق، بس مفيهاش حاجة تخوف.
​مشيت لحد الشباك عشان أفتح الستارة وأدخل شوية هوا ونور.
​الستارة كانت قطيفة تقيلة ولونها بني غامق، أول ما لمستها نزل منها جبل تراب.
​شديتها بكل عزمي.
​​الستارة بالماسورة بتاعتها وقعوا على الأرض.
​شمس العصاري دخلت فجأة نورت ​وفي اللحظة دي بالذات… أنا اتثبتت في مكاني.
​بصيت بذهول للحيطة اللي الشمس ضربت فيها.
​المادة السودا اللزجة دي، أول ما الشمس جت عليها، بدأت تلمع ​والريحة التقيلة اللي في الجو، مع سخونية الشمس، بدأت تطلع وتفوح أكتر وتملى المكان وبقت تخنق اكتر واكتر.
​قربت من الحيطة، وبالراحة كدة وبضفري كشطت حتة صغيرة من الدهان الأسود ده.
​ملمسها تحت إيدي كان مطاطي ومرن… ملمس أنا عارفها كويس أوي أوي!
​رفعت إيدي عند مناخيري، غمضت عيني، وشميت الريحة بعمق.
​هي! هي بالظبط
​فتحت عيني فجأة.
​وقلبي كان بيدق زي الطبل.
​مش من الخوف… لأ!
​أنا كنت هطير من الفرحة، فرحة تخلي العاقل يتجنن!
​لفيت وجريت بأقصى سرعة للباب، لدرجة إن أحمد السمسار اتخض ورجع لورا وهو مخضوض.
​”في إيه يا بيه ؟ تعبت صح؟ يلا بينا نمشي بسرعة من هنا!”
​مسكته من دراعه بجمود وعيني بتلمع:
​”كلملي صاحب الشقة دلوقتي حالا.”
​”إيه؟”
​”كلمه حالا بقولك!” انا اشتريت !!!!!
مسكت أحمد السمسار من دراعه لدرجة إن صوابعي علّمت في جلده، والراجل كان باصصلي وهو مبرق ومش فاهم حاجة، يادوب بيبلع ريقه بالعافية ويقولي: “يا بيه صلي على النبي، اشتريت إيه؟ أنت وشك أصفر وعرقان كأنك شُفت جن مصور جوة! تعال ننزل بس نشرب حاجة ونهدى.”
​زعقت فيه بصوت هز العمارة القديمة: “بقولك كلم صاحبها حالاً! الـ 200 ألف جنيه جاهزين كاش وفي الشنطة دي، والمقدم أهو.. أنا مش هتحرك من هنا إلا والوصول في إيدي!”
​أحمد طلع تليفونه وإيده بترتعش، ضرب رقم وصبر ثواني لحد ما الخط فتح، وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته باين عليه الهم والتعب: “أيوة يا أحمد، فيه جديد في الشقة الملعونة دي؟”
​السمسار بصلي وبلع ريقه وقال: “معايا زبون يا حاج توفيق.. وعايز يشتري حالا كاش.”
​التليفون سكت لثواني، كأن الراجل مش مصدق، وبعدين رد بصوت واطي: “هو لسه مخرجش يجري؟ قعد فيها أد إيه؟”
​أحمد رد: “بقاله ربع ساعة جوة يا حاج، وطالع مش على بعضه وبيقول شاري.”
​الحاج توفيق قال بلهفة: “أنا ربع ساعة وأكون عندكوا.. متخليهوش يمشي!”
​قعدت على السلم القديم المترب وأنا بضحك في سري، ضحكة واحد كان هيموت غرقان ولقى قشاية، لأ.. ده أنا لقيت جزيرة دهب!
​أحمد السمسار كان واقف بعيد عني، ساند على الحيطة وبيبصلي بريبة، كأنه مقتنع إني املبست أو العفاريت لحست مخي في الخمس دقائق اللي دخلتهم جوة. هو معذور، ميعرفش أنا شفت إيه، وميعرفش السر اللي خلى الناس تحس بـ “غمامان النفس” والدوخة وأول ما يدخلوا يجروا. 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *