جوز بنتي ضربني

ساد صمت غريب ومرعب، الهوا بره فجأة برد، والمزيكا جوه القاعة قطعت كأن حد شد الفيشة.
​ثواني والجو هدي تماماً، الكل طلع يقف في بلكونات القاعة والجنينة يتفرجوا على المنظر اللي يوقف الدم في العروق. طيارتين الهليكوبتر “البلاك هوك” مراوحهم كانت بتعمل عاصفة تراب هزت كراسي الفرح، والندى اللي على نجيل الجولف

طار في الهوا. الطيارتين نزلوا بثبات وهيبتهم تخد الأنفاس، ومكتوب عليهم بوضوح شعار القوات المسلحة.
​الباب اتفتح، ونزل حرس مدججين بالسلاح، ووراهم نزل اللواء. راجل هيبته تزلزل المكان، يرتدي بدلة عسكرية بكامل أوسمتها ونياشينها، ملامحه حادة كأنها منحوتة من صخر.
​مشى بخطوات عسكرية ثابتة، وكل المعازيم—السياسيين، ورجال الأعمال، والمسؤولين اللي كانوا لسه من شوية عاملين مش شايفين—وقفوا انتباه، والبلع ريقهم من الخضة.
​اللواء مابصش لأي حد فيهم، عينه كانت عليا أنا. وقف قدامي بالظبط، ضرب تعظيم سلام عسكري بكل إجلال، وصوته الجهوري هز المكان:
“من نحيّد اليوم، أيها القائد؟ مين اللي هان سيادتك النهاردة يا فندم؟”
​كريم وأبوه وشهم اتقلب ألوان، والضحكة الخبيثة اختفت تماماً واتبدلت برعب حقيقي، ركبهم كانت بتخبط في بعضها وهم شايفين الراجل اللي افتكروه “عجوز كركوبة دقة قديمة” بيتردله التحية العسكرية من قيادة بالوزن ده.
​بصيت لكريم، وبكل برود مسحت باقي الدم اللي على وشي، وقلت للّواء:
“أهلاً يا سيادة اللواء.. أظن الحفلة دي محتاجة شوية إعادة تنظيم، والناس دي محتاجة تتعلم الأدب والأصول من أول وجديد.”
اللواء عينيه اتقبلت جمر، ونظرته اتحولت لكريم اللي كان واقف زي الفرخة المبلولة، وبإشارة واحدة من صباع اللواء، تلاتة من الحرس السري طاروا على كريم. في أقل من ثانية، كان كريم منبطح على بطنه فوق النجيل، وإيديه متكتفة ورا ضهره، ووشه اللي كان لسه من شوية مليان غرور، اتمرمغ في التراب.
​أبوه، الحوت الكبير بتاع المحافظة، جرى وهو بيرتعش وصوته طالع بالعافية: “يا فندم.. يا سيادة اللواء! فيه سوء تفاهم! إحنا عيلة السيوفي، والبلد كلها عارفانا، ده حما ابني وهو بس اتكعبل…”
​اللواء وبخ طلقة من عينيه خلت الراجل يخرس ويقفل بقه فوراً، وقال بصوت يرعب الحجر: “السيوفي؟ من النهاردة مفيش سيوفي. كل ملفات شركاتكم، وتراخيصكم، وقروضكم، وتحويلاتكم بره وجوه، هتبقى تحت الميكروسكوب خلال ساعة. السيادة القائد ده، لولاه ولولا رجالته، مكانش حد فيكم لقى بلد يسرق فيها!”
​المعازيم في القاعة كانوا واقفين ورا الإزاز زي التماثيل، السيناتور والمسؤولين اللي كانوا بيجاملوهم من شوية، بدأوا ينسحبوا في صمت ويتهربوا عشان محدش يشوفهم معاهم.
​مشيت بخطوات بطيئة ووقفت فوق رأس كريم وهو على الأرض. بصيت له من فوق لتحت وقلتله بصوت واطي ومسموع: “الأرض دي يا ابن السيوفي، اتروت بدم رجالة أنضف منك بكتير عشان تفضل حرة. فاكر لما قلتلك إني دقة قديمة؟ الدقة القديمة دي هي اللي بتعلم الأشكال اللي زيك يعني إيه رجولة.”
​بصيت للواء وقلتله: “خده من هنا يا سيادة اللواء.. مش عايز أشوف وشه، هو وأبوه وأمه. والملفات اللي قال عليها تتفتح كلها، ومفيش حد فوق القانون.”
​”تمام يا فندم!”.. الحرس سحبوا كريم وأبوه زي الشكاير ورموهم في عربيات حراسة ظهرت فجأة من بره النادي، والطيارات بدأت تجهز للإقلاع.
​لفيت ضهري وبصيت لبنتي “أمل”. كانت واقفة بتعيط، بس دموعها المرة دي كانت دموع راحة، كأنها كانت في كابوس وفوقيت منه. جرت عليا وحضنتني وهي بترتعش: “سامحني يا بابا.. أنا آسفة.”
​طبطبت عليها وأنا ببتسم وبمسح دموعها: “مسامحك يا قلب أبوكي.. الفرح ده كان باطل من أوله، والحمد لله إن ربنا كشفهم على حقيقتهم قبل ما يكتبوا كتابهم رسمي. يلا بينا نمشي من هنا.. نرجع بيتنا وأرضنا.”
​خرجنا من القاعة وأنا واخد بنتي في حضني، وراسي مرفوعة للسما، وتحت رجلي أرضي اللي مفيش مخلوق يقدر يمس شبر منها طول ما فيا نفس.
ركبنا العربية المرسيدس السودا القديمة بتاعتي، وأمل بنتي كانت سانة رأسها على كتفي والدموع لسه منشفتش من على خدها. السواق طلع بينا في صمت، والطيارتين الهليكوبتر كانوا لسه مغطيين السما فوقينا كأنهم حراس بيحموا موكب ملكي لحد ما سيبنا بوابة النادي ورا ضهرنا.
​الطريق للمزرعة كان طويل وهادي، ومفيش فيه غير صوت كوتشات العربية وهي بتاكل الأسفلت. بصيت من الشباك على أراضي طرح النهر الواسعة، الشجر والمزارع الممتدة على المد البصر، الأرض اللي كريم كان فاكر إنه بفلوس أبوه ونفوذ أمه يقدر يشتريها أو يبلعها. 

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *