جوز بنتي ضربني

شربنا الشاي في صمت دافي، وصوت صرصار الغيط بره كان هو المزيكا الوحيدة اللي ملوية في المكان. أمل سابتني ودخلت تنام، وأنا فضلت قاعد مكاني ببص على النور اللي جاي من شباك الصالون على شجر الجوافة والبرتقال بره.
على الساعة أربعة الصبح، وصوت آذان الفجر بدأ يصحّي الكون، لقيت خيال حركة بره الجنينة. قمت براحة، سحبت عبايتي وخرجت.
كان فيه عربية جيب سودا تابعة لجهات سيادية واقفة على أول الممشى، ونزل منها ظابط شاب، أول ما شافني وقف انتباه وضرب تعظيم سلام، وقدم لي دوسيه جلدي أسود مقفول بختم شمع.
”أوامرك اتنفذت بالحرف يا فندم”، قالها الشاب بصوت واطي ومنضبط. “ده التقرير النهائي. عيلة السيوفي اتمسحت من السوق تماماً، والحجز التنفيذي بدأ على المحلات والشركات. وكريم وأبوه اعترفوا بكل حاجة في التحقيق من أول ساعة.”
أخدت الدوسيه، وبصيت للظابط الشاب وقلتله: “والبنت؟ أمل؟ اسمها اتجاب في أي محضر أو سين وجيم؟”
”العفو يا قائد”، رد وهو حاني راسه باحترام. “معاليك عارف إن رجالتك مبيفوتهاش فايتة. الست هانم أمل برة الصورة تماماً،
والموضوع اتقفل قدام الرأي العام على إنه قضايا فساد مالي وتجارة مشبوهة لعيلة السيوفي ملوش علاقة بالفرح.”
هزيت راسي برضا: “تمام يا ابني. اتفضل أنت، وتوكل على الله.”
ضرب التعظيم تاني وركب عربيته واختفى وسط ضباب الفجر. فتحت الدوسيه تحت نور اللمبة اللي على البوابة، قريت الكلمتين اللي فيهم خلاصة الحكاية، وولعت فيه عود كبريت لحد ما بقى رماد ودسته برجلي في الطين.
الصبح طلع، والشمس بدأت تشق عتمة الليل وتفرش نورها الأصفر الدافئ على الفدادين الواسعة. لقيت أمل خارجة ورايا، لابسة لبس الغيط، ووشها منور وفيه ضحكة غابت عني بقالها شهور.
”صباح الخير يا بويا”، قالتها وهي شايلة الفأس الصغيرة بتاعتها. “الأنفار وصلوا والمشرف مستنينا عند الساقية عشان نبدأ الحصاد.”
بصيت للأرض، وبصيت لبنتي، وحسيت إن كل شبر هنا رجع لأصحابه بجد. الأرض دي مش مجرد طين وزرع، الأرض دي هي الشرف، واللي ملوش خير في أرضه ملوش خير في عرضه.
مشيت جنبها وأنا ساند ضهري وراسي في السما، وقلت لها: “صباح النور يا قلب أبوكي. يلا بينا.. الرزق بيحب الخفية، واليوم اللي بيبدأ بالصلاة على النبي والحلال، ربنا بيبارك في آخره.”





