غرور فريده

غرور فريدة
الحلقة الأولى
بقلم قصص مستوحاة
يا خدامة! يا خدامة! فين الاكل؟!
دوّى الصوت العالي في أرجاء قصر عائلة الشناوي الفخم.
كانت فريدة الشناوي جالسة باسترخاء على أريكة طويلة بلون كريمي في غرفة المعيشة. ساق فوق ساق، وعينيها مثبتتين على هاتفها وهي تتصفح الفيديوهات بلا اهتمام. لم ترفع رأسها حتى.
يا خدامة! صاحت مرة أخرى.
ركضت خادمة شابة تُدعى مريم من المطبخ وهي تلهث.
نعم يا آنسة فريدة.
رفعت فريدة رأسها أخيرًا.
إيه التأخير ده كله؟ هو أنا المفروض أقعد عطشانة طول اليوم؟
آسفة يا آنسة فريدة كنت بساعد في المطبخ.
لفّت فريدة عينيها بملل.
طيب هاتيلي عصير برتقال حالًا وخليه ساقع المرة دي.
أسرعت مريم لتنفيذ الأمر.
بعد دقائق، عادت وهي تحمل كوب العصير على صينية.
أخذت فريدة رشفة واحدة فقط.
وفجأة تغيّر وجهها بالكامل من الغضب.
إيه ده؟!
بدأت يدا مريم ترتجفان.
آنسة فريدة؟
العصير ده مش ساقع كفاية!
خفضت مريم رأسها.
آسفة
إنتو عمركم ما بتعملوا حاجة صح! صرخت فريدة بعصبية.
أخذت مريم الصينية بهدوء وانسحبت.
في زاوية الغرفة، كان أحد الخدم يراقب المشهد وتنهد بصمت.
هذا كان أمرًا عاديًا في قصر الشناوي.
الجميع يعرف طباع فريدة.
والجميع يخشى ردود أفعالها.
في سن السادسة عشرة فقط كانت تتصرف وكأنها تملك العالم.
وُلدت في حياة من الرفاهية المطلقة.
القصر به عدد غرف لا يمكن حصره.
بستانيون، سائقون، طباخون، عمال نظافة، حراس،
مربيات، وخادمات
وفريدة؟
لم تكن ترفع إصبعًا واحدًا.
لا تعرف كيف تكنس.
ولا كيف تغسل ملابسها.
ولا حتى كيف ترتب سريرها.
لو عطشت أحدهم يحضر لها الماء.
لو جاعت الطعام يُقدَّم أمامها.
لو أسقطت شيئًا هناك من يلتقطه.
هكذا كانت حياتها دائمًا.
وهكذا كانت تظن أنها ستظل للأبد.
في الطابق العلوي، كانت غرفتها أشبه بغلاف مجلة فاخرة.
ملابسها مرتبة بعناية بواسطة الخدم.
أحذيتها مصطفة بدقة.
حتى حقيبتها المدرسية جهزتها مربيتها سارة.
طرقت سارة الباب بلطف قبل الدخول.
فريدة، قرب معاد المدرسة.
لم تتحرك فريدة.
عارفة.
لازم تبدأي تجهزي.
قلت عارفة.
ابتسمت سارة ابتسامة مصطنعة.
سنوات عملها في القصر علمتها الصبر
لكن حتى هي بدأت تجد صعوبة في تحمل تصرفات فريدة.
وبمجرد أن خرجت سارة
نادتها فريدة مرة أخرى
سارة!
عادت المربية بسرعة.
نعم؟
هاتلي الجزمة الزرقا.
هي في الدولاب.
عبست فريدة.
وبعدين؟
فهمت سارة الإشارة.
دخلت إلى الدولاب، أحضرت الحذاء، ووضعته أمام فريدة.
عندها فقط ابتسمت فريدة.
شكرًا.
لكن صوتها لم يحمل أي امتنان.
بل كان كصوت ملكة تأمر خدمها.
في الأسفل، كان الحاج محمود الشناوي جالسًا بهدوء على مائدة الإفطار.
بجواره زوجته نادية.
كان القلق واضحًا على وجهيهما.
ساد الصمت للحظات
ثم تنهدت نادية
محمود كده مينفعش.
مرر محمود يده على جبينه.
أنا عارف.
تصرفاتها بتسوء يوم بعد يوم.
مبقتش تسمع كلام حد.
نظرت نادية نحو السلم.
امبارح خلت روحية تعيط.
أغمض محمود عينيه.
والأسبوع اللي فات خدامة تانية مشيت.
عاد الصمت يملأ المكان.
هما يحبّان ابنتهما جدًا
لكن هذا الحب أصبح ممزوجًا بالخوف.
الطفلة التي دللوها لسنوات
تحولت لشخص لا يعرفونه.
بعد دقائق، نزلت فريدة أخيرًا.
الهاتف في يدها
وعقلها بالكامل في الشاشة.
جلست دون أن تنظر لوالديها.
الفطار فين؟
نظرت نادية إليها بحزن.
صباح الخير يا فريدة.
استمرت فريدة في التصفح.
همم
تبادل الوالدان نظرة صامتة.
لم يتكلما
لكن داخلهما كان نفس الشعور
هناك شيء خاطئ جدًا
ولو لم يتصرفا بسرعة
الأمور قد تخرج عن السيطرة.
سؤال
لو كنت مكان خادمة في قصر الشناوي
كنت هتفضل تشتغل ولا تمشي؟
يتبع
غرور فريدة
الحلقة الثانية
جلست فريدة على مائدة الإفطار، ما زالت عينيها معلقتين بالهاتف.
وضعت نادية الطبق أمامها بهدوء.
حضّرنا لك بيض وتوست زي ما بتحبي.
نظرت فريدة للطبق لثانية ثم عقدت حاجبيها.
هو ده شكله إيه؟!
تجمدت نادية في مكانها.
فيه حاجة غلط؟
دفعت فريدة الطبق بعيدًا بيدها.
البيض ناشف! مش قولت قبل كده إني بكرهه كده؟!
سقط جزء من الطعام على الطاولة.
نظر محمود إليها بحدة هذه المرة.
فريدة اتكلمي باحترام.
رفعت عينيها أخيرًا عن الهاتف ونظرت له ببرود.
أنا بتكلم عادي.
مش ده الأسلوب.
طيب ما تخليهم يعملوا شغلهم صح الأول!
ساد صمت ثقيل.
نادية حاولت تهدئة الوضع
خلاص يا فريدة، هنعملهولك تاني.
وقفت فريدة فجأة.
مفيش وقت أنا متأخرة أصلاً.
حملت حقيبتها واتجهت نحو الباب بدون حتى ما تبص لوالديها.
قبل ما تخرج، قالت ببرود
خلوه يكون جاهز لما أرجع.
وأغلقت الباب خلفها.
في المدرسة
وصلت فريدة بسيارتها الفخمة، والسائق فتح لها الباب.
كل العيون اتوجهت نحوها.
همسات خفيفة بدأت تدور
دي فريدة الشناوي
شايفة نفسها أوي
محدش بيحبها
لكن فريدة كانت تمشي وكأنها لا تسمع شيئًا.
دخلت الفصل وجلست في مكانها.
بعد دقائق، دخلت المعلمة.
صباح الخير يا بنات.
الجميع رد إلا فريدة.
كانت ما زالت على هاتفها.
اقتربت المعلمة منها.
فريدة، اقفلي الموبايل.
بدون ما ترفع رأسها
ثانية.
نبرة صوتها كانت مستفزة.
قالت المعلمة بصرامة
دلوقتي مش ثانية.
رفعت فريدة رأسها أخيرًا ونظرت لها بنظرة تحدي.
ثم أغلقت الهاتف ببطء.
الفصل كله كان ساكت يتابع.
خلال الفسحة
كانت فريدة جالسة وحدها.
ولا بنت اقتربت منها.
مش لأنها مميزة
بل لأن الكل كان بيتجنبها.
فجأة، بنت هادية اسمها ليلى قربت منها بحذر.
ممكن أقعد؟
نظرت لها فريدة من فوق لتحت.
براحتك.
جلست ليلى.
أنا كنت عايزة أقولك إن
قاطعتها فريدة
لو جاية تتعرفي مش مهتمة.
اتحرجت ليلى.
أنا بس كنت
قولت مش مهتمة.
سكتت ليلى وقامت تمشي.
لكن قبل ما تبعد، قالت بهدوء
مش كل الناس ضدك بس إنتي اللي بتبعديهم.
تجمدت فريدة للحظة
ثم تجاهلت الكلام.
لكن لأول مرة
شيء صغير جواها اتأثر.
في نفس الوقت في القصر.
كان محمود قاعد في مكتبه، ماسك ملف.
دخل عليه مدير الحسابات.
يا فندم في حاجة لازم تشوفها.
قول.
المصاريف زادت بشكل غير طبيعي وفي سحوبات كبيرة حصلت.
عقد محمود حاجبيه.
سحوبات؟ منين؟
من حساب العائلة الرئيسي.
فتح الملف بسرعة.
وأول ما شاف
لمحة نيوز




