وانا في المستشفى

الجزء الأول
لما فوقت من البنج بعد عملية الزايدة، أول كلمة خرجت من بقي كانت
فين ليان؟
الممرضة افتكرت إني بهلوس، لكني كررتها تاني.
بنتي… فين ليان؟
دخل جوزي أحمد بسرعة، وكانت علامات السهر باينة على وشه.
قال وهو بيحاول يطمني
متقلقيش… عند مامتك لحد ما ترجعي البيت.
هزيت راسي، لكن قلبي اتقبض.
مش عارفة ليه… بس كان عندي إحساس إن حاجة غلط حصلت.
ليان كانت عندها ست سنين.
طفلة هادية بشكل يخوف.
كل حاجة تعملها تستأذن عليها.
ولو حد علي صوته، كانت ترتعش وتسكت.
إحنا اتبنيناها بعد رحلة طويلة من الإجراءات، وبعد ما قضت سنين في دار رعاية.
أول مرة نادتني يا ماما فضلت بعدها تعتذر عشر دقايق، لأنها كانت فاكرة إنها عملت حاجة غلط.
أما أهلي…
فمن أول يوم أعلنّا فيه قرار التبني، كانوا معترضين.
أمي كانت تقول
ليه تجيبوا بنت الناس؟ استنوا ربنا يرزقكم.
وأبويا كان يضحك ويقول
ده مشروع خير… مش تكوين أسرة.
أما أختي منة، فكانت كل ما تشوف ليان تسألني نفس السؤال
لسه بتحاولوا تخلفوا عيل حقيقي؟
كنت كل مرة أبلع الإهانة.
مش عشاني…
علشان ليان ما تسمعش.
لكن اليوم ده…
ماكنتش موجودة أحميها.
بعد ساعة، طلبت من أحمد يجيبلي التليفون.
اتصلت ببيت أهلي.
محدش رد.
اتصلت تاني.
برضه مفيش رد.
لحد ما منة ردت وهي متضايقة.
قالت
خير؟
قلت
عايزة أكلم ليان.
سكتت.
ثانيتين…
ثلاثة…
وفجأة سمعت صوت بكاء طفلة.
عرفته من أول لحظة.
قلت بسرعة
منة… هاتي ليان.
ردت ببرود
هي بتعيط وخلاص.
قلت بعصبية
ليه بتعيط؟
سمعت صوت أمي من بعيد.
اقفلي معاها.
لكن قبل ما الخط يقفل…
سمعت ليان تصرخ.
يا ماما… بالله عليكي ما ترجعينيش دار الأيتام… أنا هنام على الأرض… والله مش هضايق حد.
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
فضلت أبص قدامي من غير ما أتكلم.
منة رجعت على الخط.
وقالت بكل هدوء
لازم تعرف إنها مش صاحبة البيت.
قفلت المكالمة.
ولا صرخت.
ولا شتمت.
طلبت من أحمد يتصل بالمحامي.
وخلال أقل من ساعة، بدأت الإجراءات القانونية.
تم تغيير أقفال الشقة.
واتلغت كل التوكيلات
اللي كان لأهلي أي علاقة بيها.
واتبعت قوة شرطة مع موظفة من حماية الطفل علشان يرجعوا ليان.
ولما رجعت…
كانت مختلفة.
وشها شاحب.
وعينيها مليانة خوف.
دخلت الشقة وهي ماسكة دبدوبها الصغير بقوة.
بصت حواليها كأنها مش متأكدة إنها رجعت بيتها فعلًا.
وقفت قدامي وقالت بصوت خافت
أنا ينفع أفضل هنا؟
الكلمة دي كسرتني من جوا.
لكن تماسكت.
وقلت
ده بيتك، ومحدش يقدر يخرجك منه.
هزت راسها، لكنها فضلت واقفة مكانها.
كأنها مستنية حد يقولها تمشي.
في اليوم التالي…
وأنا لسه راقدة بسبب العملية…
سمعنا خبط عنيف على الباب.
أبويا.
وأمي.
ومنة.
كانوا بيصرخوا في الممر كله.
افتحوا.
أحمد بص في كاميرا الباب وقال
خير؟
أبويا زعق
إنتوا اتجننتوا؟ تغيروا كالون الشقة؟
رد أحمد
اللي يخوف بنتي… ملوش مكان في حياتنا.
أمي قالت بسرعة
إحنا كنا بنهزر.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت ليان من جوه.
هما هيودوني تاني؟
ساد صمت ثقيل.
فتح أحمد اللاب توب.
وشغل تسجيل.
كان صوت منة واضح جدًا وهي بتقول
ابكي براحتك… محدش هيختارك على العيال الحقيقيين.
وبعدها صوت أمي
لما أمك تخلف… هترجعي المكان اللي جيتي منه.
وشوش اللي واقفين برا الباب اتغيرت.
أبويا بطل كلام.
وأمي سكتت.
أما منة…
فأول مرة ملاقَتش رد.
قال أحمد من غير ما يرفع صوته
كل كلمة اتقالت متسجلة.
وبعد دقيقة…
وصل إشعار على تليفوني.
المحامي بعت رسالة.
كتب فيها
اكتشفنا إن الموضوع أكبر من مجرد إساءة معاملة… فيه محاولة قانونية لسحب حضانة ليان والسيطرة على ميراثك.
قرأت الرسالة مرة…
واتنين…
وتلاتة.
ولما رفعت عيني…
لقيت ليان واقفة في آخر الصالة، سامعة كل حاجة.
وبهدوء مؤلم قالت
هو أنا عملت حاجة وحشة؟
في اللحظة دي أدركت…
إن اللي بدأ كإهانة لطفلة صغيرة…
هيتحول لحرب هتكشف أسرار عيلتنا كلها، وأول سر كان مخفي من أكتر من عشرين سنة… ولم يكن أحد يتخيل أن اكتشافه سيقلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
يتبع…الجزء الثاني
لم أرد على سؤال ليان مباشرة.
اقتربت منها، ونظرت في عينيها، وقلت بهدوء
إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط… والغلط كله على الكبار اللي نسوا يعني إيه رحمة.
وقفت الطفلة ساكتة، ثم دخلت غرفتها وقفلت الباب بهدوء.
أما أنا…
فأخذت نفسًا طويلًا، وقلت للمحامي
عايزة أعرف كل حاجة.
رد
فيه ملف اتقدم للمحكمة قبل دخولك المستشفى بيومين.
اتجمدت.
إزاي؟
قال
الملف فيه ادعاءات إنك غير قادرة على رعاية طفلة، وإن حالتك النفسية غير مستقرة.
بص أحمد ناحيتي وقال
وده كلام كذب.
المحامي رد
عارف… لكن الأخطر إن الملف فيه شهادات من أفراد من عيلتك.
في نفس اللحظة…
جرس الباب رن.
المرة دي ما كانش أبويا.
كان راجل كبير لابس بدلة، ومعاه حقيبة جلد.
قال
أنا الأستاذ حسام… محامي جدك.
استغربت.
محامي جدي؟
قال
أيوه… وجيت لأن الوقت خلاص جه.
دخل وقعد على الكرسي.
طلع ظرف أصفر قديم.
وقال
الظرف ده أوصى جدك ما يتفتحش إلا لو حصل خلاف على الميراث.
فتحت الظرف.
لقيت ورقة بخط إيد جدي.
كان أول سطر فيها
لو بتقري الرسالة دي، يبقى الناس اللي وثقتي فيهم حاولوا يستخدموا أقرب حاجة لقلبك ضدك.
دموعي نزلت، لكني كملت.
وكان مكتوب
أي محاولة لإجبار حفيدتي على التنازل عن حقها أو إيذاء طفلتها بالتبني، تسقط حق أي فرد شارك فيها من الميراث.
رفعت رأسي بسرعة.
يعني إيه؟
قال المحامي
يعني لو ثبت إنهم شاركوا في اللي حصل، يخسروا نصيبهم بالكامل.
قبل ما نستوعب الكلام…
رن هاتف أحمد.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت راجل
لو عايز مراتك تعيش في سلام… اقفلوا الموضوع.
أحمد قال
مين حضرتك؟
الخط اتقفل.
بعدها بثواني…
وصلت رسالة فيها صورة لسيارتنا.
الصورة متصورة من الشارع قدام البيت.
وتحتها مكتوب
إحنا أقرب مما تتخيلوا.
أحمد نزل بسرعة يبص.
لكن الشارع كان فاضي.
ولما رجع…
لقينا ليان واقفة عند باب أوضتها.
قالت بصوت هادئ
في راجل كان واقف تحت الشباك.
كلنا بصينا للشباك.
ماكانش فيه حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض مرمي في البلكونة.
أحمد جابه.
فتحناه.
كان فيه فلاشة صغيرة.
شغلناها.
ظهر فيديو من كاميرا مراقبة.
التاريخ…
قبل أسبوع من العملية.
الفيديو كان في بيت أهلي.
وأمي بتقول
أول ما تدخل المستشفى، ناخد البنت.
أبويا قال
ولو رفضت؟
ردت منة
يبقى نخليها تخسر الحضانة.
لكن الصدمة الحقيقية…
إن شخصًا رابعًا كان قاعد معاهم.
وجهه ماكانش ظاهر.
لكن صوته كان واضح.
قال
بعد ما تخلصوا من موضوع البنت… هنبدأ في نقل الأملاك.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
الصوت ده…
كان مألوف جدًا.
لكننا ما قدرناش نحدد صاحبه.
وفجأة…
المحامي وقف وقال
استنوا…
رجع الفيديو ثانيتين.
كبر الصورة.
وظهر في انعكاس زجاج الدولاب…
خاتم فضة مميز في إيد الشخص المجهول.
شهقت.
كنت أعرف الخاتم ده.
كان بيلبسه شخص واحد فقط…
الشخص اللي كان داخل بيتنا كل أسبوع، وبنشرب معاه الشاي، وعمرنا ما شكينا فيه لحظة واحدة.
ولما عرفت مين هو…
اتمنيت لو كنت غلطانة الجزء الثالث
فضلت أبص على الشاشة وأنا حاسة إن أنفاسي بتتقطع.
الخاتم ده…
ماكنش يلبسه غير خالي فؤاد.
نفس الخاتم الفضي العريض، وعليه حجر أسود صغير.
أحمد رجّع الفيديو أكتر من مرة.
وفي كل مرة…
كان الخاتم يظهر بوضوح.
قال المحامي
دلوقتي بقينا عارفين مين كان حاضر الاجتماع.
لكن السؤال الأهم…
هل هو مجرد حاضر؟
ولا هو اللي كان بيدير كل حاجة؟
في نفس اللحظة…
رن جرس الباب.
فتح أحمد الكاميرا.
المفاجأة…
كان خالي فؤاد بنفسه.
واقف قدام الباب، ووشه هادي بشكل غريب.
قال من خلال السماعة
أنا عارف إنكم شفتوا الفيديو.
ماحدش رد.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
بس اللي شفتوه نص الحقيقة.
قلت وأنا واقفة ورا الباب
مش عايزين نسمع منك حاجة.
قال
لو ما فتحتوش دلوقتي… هتضيع عليكم فرصة تعرفوا مين زوّر الأوراق باسم أحمد.
اتجمدنا.
دي معلومة ماحدش يعرفها غير اللي كان داخل الخطة.
فتح أحمد الباب، لكنه وقف عند المدخل.
دخل فؤاد بهدوء، وحط ملف أزرق فوق الترابيزة.
وقال
اقروا… وبعدها اطردوني لو عايزين.
فتحنا الملف.
كان مليان صور لمحادثات، وإيصالات تحويلات مالية، وأوراق رسمية.
وفجأة…
وقعت عيني على اسم الدكتور سامح.
كان فيه تحويلات مالية باسمه.
لكن المرسل…
ماكنش خالي فؤاد.
كان اسم شركة استشارات قانونية.
المحامي اتفاجئ.
وقال
الشركة دي مملوكة لشخص واحد.
قلت بسرعة
مين؟
رد
كمال السيوفي.
الاسم كان غريب عليا.
لكن أحمد اتغير لون وشه.
قلت
إنت تعرفه؟
هز رأسه ببطء.
ده شريك أبويا القديم.
كلنا بصينا له.
قال
قبل وفاة والدي، حصل بينهم خلاف كبير بسبب أراضي جدي.
خالي
لمحة نيوز




