بعد ثلاث ايام من المستشفى

بعد تلات أيام من ما المستشفى قالتلي إن ابني مات، جمعت كل العيلة عشان أكتب كل أملاكي باسم أخويا الصغير. وقبل ما أمضي الورق، بنت الخدامة اللي عندها تمن سنين دخلت علينا وهي شايلة طفل رضيع بيعيط… ولما بصيت على الإسورة اللي في إيده، اكتشفت إنها نفس الإسورة اللي المفروض كنت دفنت صاحبها من تلات أيام.
الجزء الأول
القاعدة كانت بعد العزا على طول.
لا فيه قرآن شغال، ولا حد بيتكلم بصوت عالي، ولا حتى ريحة أكل في البيت. بس محامين، وكبار العيلة، وورق مالي الترابيزة… ورق عمره ما كان المفروض أب مكسور يقراه.
مراتي، ياسمين، كانت قاعدة جنبي لابسة أسود، وشها أصفر ومش بتنطق.
وعلى الناحية التانية، أخويا الصغير كريم، قاعد عامل نفسه زعلان، لكن عينه كل شوية بتروح على ملفات الورث اللي قدامه.
ابني…
الدكاترة في مستشفى النيل التخصصي قالولي إنه مات بعد الولادة بدقايق.
قالوا حالته كانت صعبة أوي، ومينفعش أشوفه.
وقبل حتى ما أوصل، كانوا قفلوا النعش، ونبهوني ألف مرة
لو سمحت… بلاش تفتحه.
ودفنت ابني…
من غير ما ألمس وشه.
ولا أبوسه.
ولا حتى أودعه.
وعشان
كده جمعت الكل.
بلعت ريقي بالعافية وقلت
بما إن ماليش وريث… يبقى من النهارده كريم هو اللي هيستلم كل حاجة بعدي.
المحامي زق آخر ورقة قدامي، ومداني القلم.
مديت إيدي…
وفجأة…
باب السفرة اتفتح.
دخلت مريم… بنت الخدامة.
طفلة عندها تمن سنين، حافية، هدومها مبلولة من المطر، وشايلة في حضنها طفل رضيع ملفوف في بطانية مستشفى متبهدلة.
والطفل…
كان بيعيط.
حي.
أمها جريت عليها وهي بتزعق
يا نهار أبيض يا مريم! جبتي البيبي ده منين؟!
البنت ردت وهي مرعوبة
لقيته مرمي في صندوق الزبالة اللي ورا المطبخ… كان جوه كيس أسود.
البيت كله سكت.
ولا نفس.
قومت من مكاني أجري عليها عشان آخد الطفل…
لكن ياسمين مسكت دراعي بسرعة.
وقالت
استنى… يمكن يكون عنده مرض معدي.
الكلام كان طبيعي…
لكن ملامحها…
مكنتش طبيعية خالص.
كانت مثبتة عينيها على الإسورة اللي في إيد البيبي.
قلبي وقع.
خدت الطفل منها، ولفيت الإسورة.
مكتوب عليها
مستشفى النيل التخصصي
Baby ElSayed
ورقم الملف…
هو هو…
نفس الرقم المكتوب في شهادة وفاة ابني.
في اللحظة دي…
اتسمع صوت إزاز بيتكسر.
بصيت.
لقيت كريم وقع الكوباية من إيده.
رفعت عيني عليه…
وبعدين على ياسمين.
ولا واحد فيهم كان باين عليه إنه متفاجئ.
كانوا باين عليهم…
إنهم اتمسكوا.
حضنت الطفل بقوة.
حسيت بدقات قلبه وهي بتخبط في صدري.
ابني…
كان عايش.
حد خطفه.
وزور أوراق موته.
واستنى اليوم اللي أكتب فيه كل أملاكي باسم أخويا.
وفجأة…
مريم شدتني من هدومي.
وقالت بصوت واطي
في حاجة كمان كانت جوه الكيس.
فتحت كف إيديها الصغيرة.
كان فيها إسورة مستشفى تانية…
مكسورة بالنص.
عليها اسم…
ياسمين السيد.
لكن رقم المريضة المكتوب تحت الاسم…
ماكانش بتاع مراتي.
كان رقم ست ماتت في نفس المستشفى…
من اتناشر سنة.
ولما قريت اسم عيلتها…
بصيت على كريم.
لقيت وشه اتسحب…
وكأنه نسي ياخد نفسه.
الصمت اللي ساد البيت كان أصقل من جبل.
الطفل اللي في حضني سكت عن العياط، وكأنه كان مستني اللحظة دي بالذات عشان يبدأ الحكاية الحقيقية.
رفعت عيني ببطء، وابتديت أربط الخيوط اللي كانت طايرة قدامي.
ياسمين… مراتي اللي عمرها ما حملت قبل كده، أو على الأقل ده اللي كانت مفهماني بيه، وكريم أخويا اللي عينه مكنتش بتفارق الورث… ودلوقتي، اسم مستشفى قديم، وإسورة مكسورة بقالها اتناشر سنة.
قربت من كريم، ورميت الإسورة المكسورة قدامه على ترابيزة الورق.
الصوت اللي عملته الإسورة وهي بتخبط في الخشب كان أشبه برصاصة.
قلت بصوت واطي، بس كان جرس إنذار بيدق في عقول الكل
تعرف الست دي يا كريم؟ تعرف مين هي صاحبة الإسورة دي؟
كريم بلع ريقه بصعوبة، ووشه بقى أصفر باهت، لكنه حاول يمثل القوة وقال بصوت متردد
أنا… أنا هعرف منين؟! إسورة قديمة من اتناشر سنة! أنت اتجننت يا مصطفى؟ عشان ابني… أقصد ابنك… أقص…
قطعته بصرخة هزت أركان البيت
انطق! ابني مين؟! ابني اللي دفنوه من تلات أيام وهو حي؟ ولا ابني اللي مراتي كانت عايزة ترميه وتقولي خايفة من العدوى وهي مرعوبة من الإسورة اللي في إيده؟!
ياسمين قامت من على الكرسي، وجريت قدامي وهي بتعيط بحرقة مصطنعة، ومسكت دراعي
مصطفى! والله العظيم ما أعرف حاجة! صدقني! أخوك… أخوك هو اللي خطط لكل ده! هو اللي قالي إنك لو كتبت كل حاجة باسمه، هنرتاح من الديون، وهو قال لي إنه دبر كل حاجة مع الدكتور في المستشفى!
كريم اتجنن لما سمع الكلام ده، وهجم عليها وصرخ
انتي بتبيعينا يا واطية؟! مش إنتي اللي كنتي عايزة تتخلصي
لمحة نيوز





