يوم فرحنا

لمحة نيوز
مرة رجع من سفرية شغل بعد ما مدها يوم زيادة من غير سبب مقنع.
وافتكرت مرة خرج يكلم في التليفون برا البيت وقال إن الشبكة وحشة.
وافتكرت كمان إيصال مطعم لقيته في جيبه… عمره ما جاب سيرته.
وقتها ما ركزتش.
لكن بعد الصور دي…
كل حاجة بقت شكلها مختلف.
بالليل…
جوزي رجع من الشغل.
دخل البيت وهو بيبتسم.
أول ما شاف الظرف والصور على الترابيزة…
ابتسامته اختفت في ثانية.
مسكت صورة منهم، وإيدي كانت بتترعش.
وسألته:
“مين الست دي؟”
فضل باصص للصورة شوية.
وبعدين رفع عينه وبصلي.
وقال بهدوء:
“… أمي هي اللي جابتلك الصور؟”
قلت:
“آه.”
سكت لحظة.
وبعدين سألني:
“هي طلبت منك ما تقوليش ليا إنها جت… غير بعد ما تشوفي الصور؟”
اتجمدت مكاني.
“آه… ده اللي حصل.”
قفل عينه، وكأنه كان متوقع كل ده من البداية.
وبصوت كله خيبة أمل قال:
“يبقى هي عارفة كويس أوي… هي عملت إيه.”
رفعتُ عيني إليه، وقلبي يرتجف بين الخوف والحقيقة المرة. سألته بصوت خافت بالكاد يخرج:
“قصدك إيه؟ فهمني! مين دي؟ وليه أمك بتقول إنها كانت مستنية جوازنا يبوظ؟ وليه أصلاً خبت أنها جابتهم بنفسها؟”
اقترب مني ببطء، وجلس على الكرسي المقابل لي، ويداه متشابكتان وكأنه يجمع أشتات شجاعة ضائعة منذ سنوات. تنفس الصعداء وقال بصوت مثقل بالندم:
“الست دي يا… مش حبيبتي، ولا خيانة زي ما أمي رسمت في دماغك.”
نظرت إليه بذهول: “أممال مين؟ وليه صورها معاه بالشكل ده؟ وليه بتعيط؟”
أخذ نفسًا عميقًا وبدأ يحكي السر الذي كاد يدمر حياتنا:
“دي ‘ليلى’، أختي غير الشقيقة. بنت أبويا من جوزة سرية عملها قبل ما يتوفى بسنوات، وفضل مخبيها عن العيلة كلها لحد ما ظهرت حياتي قبل سنتين، تحديداً وقت جوازنا.”
وقعت الكلمات على أذني كالصاعقة. بالكاد استوعبت: “أختك؟! بس مامتك قالت إنها ماتعرفهاش!”
رد بسخرية ألم: “طبعاً قالت كده… لأن أمي هي اللي طردتها من حياتنا زمان، وهي اللي هددتها لو ظهرت تاني في حياتنا أو طالبت بحقها في الميراث هتدمرها. ليلى ظهرتلي فجأة بعد الفرح بشهر، كانت منهارة، لا شغلة ولا بيت، ومحتاجة سند. طبعاً ماقدرتش أتخلى عنها، خصوصاً إنها مالهاش غيري بعد موت أبوها. كنت بقابلها في السر عشان أمي لو عرفت إننا على اتصال، كانت هتقيم الدنيا وما تقعدهاش، وهتعتبر إني بعت عيلتي عشان ‘بنت الشوارع’ زي ما كانت بتسميها.”
نزلت دمعة حارقة على خدي، وبدأت قطع الفازل تتجمع في رأسي: “وعشان كده كنت بتخبي عليا؟ عشان خايف مني؟ ولا عشان خايف أمي تعرف؟”
أجابني بندم حقيقي: “خفت من الاتنين. خفت تفتكري زي ما أمي افتكرت، وخفت أمي تعرف وتعمل مشكلة تهدد بيتنا واستقرارنا. ليلى كانت بتعيط عشان كانت خايفة على بنتها العيانة وأنا كنت بساعدها في مصاريف العلاج. بس أمي… أمي الذكية اللي ماتنساش ثأر، استغلت وجود ليلى وشايفاها فرصة ذهبية. استدرجتها، وراقبت تحركاتنا، وجمعت الصور دي من خلال رجالتها، وجابتها لكِ بنفسها، مش عشان ‘حقي’، ولا خوفاً عليا.. بل عشان تدمر السعادة اللي بنيناها رغم عن أنفها، وتثبت لنفسها وللناس إنها كانت ‘صح’ وإني أنا اللي غلطت لما اخترتك!”
ساد الصمت في المطبخ لعدة دقائق، لم يكن فيه سوى صوت نبضات قلبي السريعة.
نظرت إلى الصور مرة أخرى، ورأيت نظرة الحزن في عيون تلك الفتاة (ليلى)، وتذكرت نظرة الاستعلاء والشماتة في عين حماتي عندما دخلت وشافت صورة فرحنا وكأنها بتقول بطريقة غير مباشرة: *أنا انتصرت في النهاية*.
سألته وعيني تلمع بالدموع: “وهعمل إيه دلوقتي؟ نسكت؟ ولا نسيبها تفوز باللعبة اللي لعبتها في ظهرنا؟”
رفع وجهه ونظر إليّ نظرة كلها تحدٍ وحب صادق: “لأ… مش هنستسلم. أمي فكرت إنها بالصور دي هتهدم بيتنا، بس هي ماعرفتش إن صراحتنا مع بعض أقوى بكتير من كيدها.”
مسح دموعي بيده وقال بابتسامة هادئة:
“بكرة الصبح… أنا وليلى وأنتِ، هنروح لحد بيت أمي. وهناك، قدامها، هعرفها إن بنتها اللي طردتها زمان هي نفسها اللي رجعت عشان تكشف لأساليبها الحقيرة، وإن اللي ربتيها على الكبر والتعالي خسرت ابنها للأبد، واللي اخترتها بقلبي هي الوحيدة اللي وقفت جنبي وفهمت الحقيقة من غير ما تبيعني.”
نظرت إلى وجهه، وشعرت أن الجدار العازل الذي بنته أمه بيننا قد سقط للأبد، وأن المعركة الحقيقية لم تنتهِ بخيانة، بل بدأت بكشف قناع الطيبة الزائفة، لتخرج منها حبنا أصلب وأقوى من أي وقت مضى.





