خلفت ثلاث توائم

أول ما خلفت التلات توأم، كنت فاكرة إن جوزي “كريم” هيبقى ضهري زي ما كان دايمًا بيقول.
قبل الحمل، كان كل كلامه: “أنا نفسي البيت يتملي عيال، وإحنا هنشيل المسؤولية سوا بالنص.”
لكن أول ما رجعنا من المستشفى… الراجل اللي اتجوزته اختفى.
من أول ليلة، شال هدومه ونام في أوضة الضيوف، وقال بمنتهى البرود: “أنا شغلي في الشركة محتاج دماغ رايقة، ولازم أنام 8 ساعات متواصل.”
أما أنا…
لسه طالعة من عملية قيصرية، وجسمي كله بيوجعني، وبحاول أعتني بتلات بيبيهات لوحدي.
حياتي بقت عبارة عن رضاعة… وببرونات… وحفاضات… وعيط متواصل من تلات أطفال في نفس الوقت.
بعد ست أسابيع، بقيت مش فاكرة آخر مرة نمت فيها حتى ساعة كاملة من غير ما حد يصحيني.
وفجأة…
كريم دخل عليّ وهو بيشرب قهوته بكل هدوء وقال:
“أنا حجزت أسبوعين في الساحل الشمالي… محتاج أفصل شوية.”
افتكرته بيهزر.
لكن لأ…
كان بيتكلم بجد.
بيقولي إنه “اتضغط نفسيًا” وإنه يستحق ياخد أجازة يرتاح فيها.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
أنا اللي منمتش ولا ليلة من يوم الولادة، وأنا اللي شايلة البيت والتلات أطفال لوحدي…
وهو اللي محتاج راحة؟!
اترجّيته يقعد يساعدني.
حتى كام يوم.
لكنه لف عينه وقال:
“إنتِ هرموناتك هي اللي مخلياكي مكبرة الموضوع.”
وبعدها كمل يرص هدومه في الشنطة الكبيرة…
وأنا قاعدة على الأرض، شايلة طفلين، وبرضع التالت.
ساعتها…
ما اتخانقتش.
وما عيطتش.
ولا حتى حاولت أقنعه
تاني.
استنيت بس.
بالليل…
بعد ما نام في أوضة الضيوف، دخلت بهدوء، وفتحت شنطته اللي كان مجهزها للسفر.
شلت منها كام حاجة…
وحطيت مكانهم حاجات عمره ما كان يتخيل يشوفها أول ما يفتح الشنطة.
الصبح، باسني من خدي وهو خارج، وسحب الشنطة وركب العربية اللي هتوديه للمطار… من غير حتى ما يبص جوّاها.
وأنا قضيت اليوم كله بين عياط العيال، وقهوة ساقعة، وإرهاق خلاني واقفة بالعافية.
الساعة أربعة العصر بالظبط…
الموبايل رن.
كان كريم.
أول ما رديت…
لقيته بيزعق بأعلى صوته:
“إنتِ بجد عملتي فيا كده؟!”
كان بيصرخ في التليفون كأنه اتسرق.
“إنتِ بجد عملتي فيا كده؟!”
خدت نفس طويل وقلت بهدوء: “عملت إيه؟”
قال وهو بيكتم غضبه: “فتحت الشنطة! كل هدومي اختفت! إنتِ سايبة لي حفاضات أطفال؟! وببرونات؟! وعلب لبن صناعي؟! وإيه الورقة اللي فوق دي؟!”
ابتسمت لأول مرة من يوم الولادة.
قلت: “اقراها للآخر.”
سكت ثواني، وبعدها بدأ يقرأ بصوت عالي:
“بما إنك مقتنع إن رعاية التلات أطفال أسهل من شغلك، وإن اللي بعمله طول اليوم مجرد مبالغة بسبب الهرمونات… حبيت أخليك تقضي أسبوعين مع محتويات الحياة اللي أنا عايشاها كل دقيقة. الهدوم موجودة في الدولاب. ولو شايف إن السفر أهم من أسرتك… ارجع خدها بنفسك.”
سمعت صوت ناس حواليه بيضحكوا.
واضح إنه فتح الشنطة في بهو الفندق، وكل اللي حواليه شافوا الحفاضات والببرونات ودمى الأطفال اللي كنت حطاها فوق.
قفل السحاب بسرعة وهو بيتمتم: “إنتِ فضحتيني.”
قلت بمنتهى البرود: “لسه.”
وقفل الخط في وشي.
افتكرت إنه هيرجع.
لكن لأ…
راح اشترى هدوم جديدة من أغلى محل في المنتجع، وكمل أجازته عادي، وكأنه بيقول لي: “ولا يهمني.”
أول يوم نزل صورته على البحر.
تاني يوم صور نفسه على اليخت.
تالت يوم كتب: “الحياة قصيرة… لازم تعرف تفصل.”
كل صورة كانت بتوصلني وأنا واقفة بهدوم عليها آثار اللبن، وشعري مربوط بأي طريقة، وحواليّ تلات أطفال بيعيطوا في نفس اللحظة.
لكن بدل ما أعيط…
بدأت أجهز لحاجة تانية.
دخلت على حساب البنك المشترك.
كان بيحول معظم مرتبه عليه.
فتحت كشف الحساب.
وأنا براجع المعاملات، لقيت مصيبة.
من أكتر من سنة، كريم كان بيصرف آلاف الجنيهات كل شهر على مكان اسمه “Azure Residence”.
في الأول افتكرته جيم.
لكن بعد بحث بسيط…
طلع مجمع شقق فاخرة للإيجار الشهري.
الغريب؟
العنوان بعيد جدًا عن شغله.
اتصلت بصاحبتي “سارة”، وكانت محامية.
بعتلها كل التحويلات.
بعد ساعة واحدة بس، كلمتني وقالت:
“إوعي تعملي أي مواجهة دلوقتي… فيه حاجة مش طبيعية.”
سألتها: “يعني إيه؟”
قالت: “أنا بعت حد يتأكد من العنوان.”
فضلت طول الليل مستنية.
تاني يوم الصبح، رن تليفوني.
سارة كانت بتتكلم بسرعة.
“طه… كريم مش مأجر الشقة لوحده.”
قلبي وقع.
“معاه مين؟”
قالت: “في واحدة عايشة هناك بقالها شهور… والجيران كلهم فاكرين إنهم متجوزين.”
سكت.
ولا دمعة نزلت.
الغريب إن الصدمة ساعات بتخلي الإنسان هادي بشكل يخوف.
في اللحظة دي، بطلت أفكر في المقلب… أو في السفر… أو حتى في الخيانة.
بدأت أفكر في حاجة واحدة.
إزاي أضمن إن أطفالي يعيشوا حياة محترمة بعيد عن راجل كان قادر يسيبهم بعد أيام من ولادتهم.
رجع كريم بعد أسبوعين.
داخل البيت باسماً، وماسك شنط مليانة هدايا رخيصة.
أول ما دخل، اتفاجئ إن البيت هادي.
التلات أطفال نايمين.
وأنا قاعدة على السفرة.
قدامي ملف أزرق.
وجنبه ظرف كبير.
ابتسم وقال بثقة:
“لسه زعلانة؟ خلاص يا ستي صالحيني.”
زقيت الملف ناحيته.
فتح أول ورقة…
ابتسامته اختفت.
كانت صور دخوله وخروجه من الشقة.
وصور العربية.
وكشوف التحويلات.
وتقرير المحقق.
وفي آخر الملف…
دعوى خلع، ونفقة، وإثبات تبديد أموال الأسرة.
رفع رأسه وهو مصدوم.
“إنتِ جبتي كل ده إزاي؟!”
قلت بهدوء:
“وأنا بصحى كل ساعتين أغير حفاض لطفل، كان عندي وقت أفكر… وأجمع كل حاجة.”
بدأ يتوتر لأول مرة.
قال:
“ممكن نتفاهم.”
ابتسمت.
“أنا حاولت أتكلم معاك يوم ما قلتلك اقعد مع ولادك كام يوم.”
سكت.
“إنت اخترت البحر.”
مديت له الظرف الأخير.
فتحه بإيد بترتعش.
كان فيه صورة.
هو…
واقف قدام شنطة مليانة حفاضات في بهو الفندق.
والناس حواليه بتضحك.
وخلف الصورة كتبت جملة واحدة:
“أكتر حاجة فضحتك… مش الحفاضات. لكن إنك سبت مراتك بعد عملية قيصرية، وهربت من تلات أطفال كانوا محتاجين أبوهم.”
لأول مرة من ساعة ما اتجوزنا…
كريم معرفش يرد.
وساعتها فهم إن أسوأ خسارة في حياته ما كانتش فلوس القضية…
ولا سمعته…
لكن إنه خسر فرصة إن أول كلمة ينطقها أولاده يومًا ما تكون: “بابا.”


