جاد ورحمه

جاد الجارحي.. رجل أعمال ناجح عنده 30 سنة.. كان سايق العربيته السوداء المرسيدس وماسك الدريكسيون بإيد واحدة، والتانية على وشه. دماغه بتوجعه من الصداع اللي مش بيروح من ساعة ما شاف الرسايل على موبايل “ريم”.

ريم… حبيبته اللي كان فاكرها هتبقى مراته وأم عياله. طلعت بتخونه مع “تامر الوكيل”، صاحبه ورجل الأعمال اللي كان بياكل معاه عيش وملح. الصورة بتاعتهم في الساحل وهو حاضنها لسه محفورة في عينه.
من يومها وجاد قافل على قلبه بقفل. الستات كلهم في عينه اتغيروا، وهو مهندس ناجح، ماسك شركات “الجارحي جروب” بعد ما أبوه تعب، وسلمه كل حاجة.
“يا جاد يا حبيبي براحة شوية، أنا دايخة”
صوت أمه “سميرة هانم الجارحي” طلعه من أفكاره. ست شيك، 55 سنة، بس لسه محافظة على جمالها وهيبتها.
“سلامتك يا أمي، مالك؟” قال وهو بيهدي السرعة غصب عنه.
“ضغطي عالي شوية… عايزاك توصلني عند صاحبتي مديحة هانم الشربتلي. وعدتها أزورها من زمان ومش قادرة أسوق لوحدي.”
جاد اتنهد. مش وقت زيارات خالص، عنده اجتماع كمان ساعة. بس دي أمه، مقدرش يقولها لأ.
“حاضر يا ست الكل، فين بيتها؟”
وصلوا فيلا فخمة في التجمع. أول ما دخل جاد حاسس إن الجو مش طبيعي. في استعدادات في الفيلا وكأن في ضيوف مهمين وفي مناسبة خاصة منتظرين إنها تحصل عندهم.
قعد جنب أمه في الصالون. بيبص في ساعته ومضايق.. قصاده كانت قاعدة بنت شقرا، شعرها أصفر وعينيها ملونة، لابسة فستان غالي. مكسوفة وعمالة تفرك في إيديها وكل شوية تبص له وتبتسم بخجل. اسمها “نور” زي ما عرف بعدين.
جنبها راجل كبير في الستينات، هيبة ووقار، ده “فؤاد بيه الشربتلي”. وجنبه مراته “مديحة هانم”. الكل ساكت ومستني حد يبدأ الكلام، وأمه بتبتسم ابتسامة هو حافظها… ابتسامة إن وراها مفاجأة.
فؤاد بيه كح وقال: “نورتونا يا سميرة هانم… البيت نور يا باشمهندس جاد.”
جاد هز راسه ببرود: “منور بأهله يا فؤاد بيه.”
السكوت رجع تاني. جاد بدأ يفهم. دي مش زيارة مريض. دي قعدة تعارف… أمه بتدبسه في موضوع زواج.
كان لسه هيقوم ويقول أي حجة عشان يهرب، أمه بدأت تتكلم بصوت واضح:
“بص يا فؤاد بيه… إحنا جايين النهارده وطالبين القرب منكم… إحنا جايين نخطب…”
قبل ما تكمل الجملة، الباب اتفتح بهدوء.
دخلت بنت في أوائل العشرينات. شعرها أسود طويل مربوط نص ديل حصان، ملامحها هادية بس فيها حزن مستخبي. بشرتها قمحية، وعينيها واسعة سودة. لابسة فستان أسود بسيط خالص ومريلة بيضا فوقه. باين عليها الشقا والتعب.
دي “رحمة”. 22 سنة. بنت أخو فؤاد بيه الله يرحمه. بعد ما أبوها وأمها ماتوا في حادثة من سنتين، عمها خدها تعيش معاه، بس مرات عمها مديحة هانم شايفة إنها لازم تشتغل في البيت. فبقت هي المسؤولة عن خدمة البيت.
رحمة كانت شايلة صينية فضة عليها كوبايات شربات الورد. إيديها كانت بتترعش وهي داخلة. رفعت عينيها ثانية واحدة بس، لمحت جاد. شاب طويل، ملامحه حادة، وعينيه فيها غضب. خافت ونزلت عينيها في الأرض بسرعة.
قربت بالصينية وهي حاسة إن ألف عين بتبص عليها. فؤاد بيه بص لسميرة هانم وقال بذوق عشان التوتر: “اتفضلي يا سميرة هانم… كملي كلامك، سامعينك.”
سميرة هانم ابتسمت وبصت لنور اللي وشها بقى أحمر، وقالت:
“إحنا جايين نخطب بنتكم…”
كلمة “بنتكم” دي نزلت على ودن جاد زي الصاعقة. يعني أمه جابته هنا عشان تختار له عروسة؟ من غير ما تقوله؟ بعد اللي حصله من ريم؟
الدم غلي في عروقه. وقف مرة واحدة، الكل اتخض. بص لأمه، وبعدين بص لنور، وبعدين عينه وقعت على رحمة اللي كانت لسه واقفة بالصينية في نص الصالة ومش عارفة تتحرك.
بص لأمه بتحدي وغضب، وصوته طلع عالي ومليان سخرية من الموقف كله:
“إحنا جايين نخطب بنتكم دي… اللي بتقدم الشربات!”
الصينية الفضة وقعت من إيد رحمة. الكوبايات اتكسرت مية حتة، والشربات الأحمر غرق السجادة الغالية… وغرق طرف فستان رحمة الأسود.
رحمة شهقت وحطت إيديها على بوقها، وعينيها دمعت. بصت لعمها برعب، وبعدين بصت لجاد اللي كان لسه باصص لها ببرود.
فؤاد بيه وشه جاب ألوان. مديحة هانم صرخت: “شوفي عملتي إيه يا طايشة!”
نور حطت إيديها على بوقها من الخضة.
أما سميرة هانم… فبصت لابنها بصدمة، وبعدين بصت لرحمة اللي كانت بتترعش، والحكاية كلها اقلبت في ثانية.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *