جاد ورحمه

الفصل التاني
رحمة كانت واقفة متسمرة، دموعها نازلة، بتحاول تلم الإزاز المكسر بإيديها وهي بتترعش. شفايفها بتقول: “أنا… أنا آسفة يا عمي… والله ما كان قصدي…”
فؤاد شاور لها بإيده بعصبية: “إخرسي خالص! إنتي إيه اللي موقفك هنا أصلاً؟! دي قعدة عائلات! اطلعي على أوضتك فوق وماتوريليش وشك تاني! سامعة؟!”
رحمة بصت في الأرض وقالت بصوت مقطوع: “حاضر يا عمي.” وجرت من الصالة وهي بتعيط، سايبة وراها الشربات الأحمر على الأرض.
فؤاد بيه حاول يلم الموضوع، ومسح على وشه بمناديل وهو بيضحك ضحكة صفرا:
“حقك عليا يا باشمهندس… البنت دي بس يعني… أصلها غلبانة وعلى قد حالها… دي بنت أخويا الله يرحمه وبنربيها معانا. متاخدش في بالك.”
جاد كان واقف ساكت من ساعة ما الصينية وقعت. عينه متابعة رحمة وهي بتجري. شاف الكسرة في عينيها، شاف إيديها اللي اتعورت من الإزاز وهي بتحاول تلمه، شاف إزاي عمها ومراته بيهينوها قصاد الناس. حاجة جواه اتحركت… مش شفقة، لأ. ده غضب. نفس الغضب اللي حاسس بيه من الدنيا ومن خيانة ريم.
بهدوء قاتل، جاد مد إيده وقفل زرار بدلته. بص لفؤاد بيه في عينه، وبعدين بص لسميرة هانم اللي وشها جاب ألوان، وبعدين بص لباسنت اللي كانت مستنية يقول أي حاجة تنقذ الموقف.
قال بصوت واطي بس واصل لكل واحد فيهم، وكأنه بيصدر حكم:
“خدامة؟… لأ. أنا قولت كلمتي. أنا مش هتجوز غير البنت دي.”
الكل اتكهرب.
بسنت نطت من مكانها وصرخت: “نعم؟! إنت اتجننت؟! دي… دي ملهاش أصل ولا فصل! إنت جاي تهزر؟!”
قاطعها جاد وهو بيلبس نضارته، وعينه مبقتش باينة: “كلامي خلص. عن إذنكم.”
ولف ومشي من الفيلا كلها، خطواته ثابتة، سايب وراه قنبلة انفجرت.
“جاد! يا جاد استنى!” سميرة هانم قامت جري وراه وهي مش مصدقة اللي سمعته. لحقته عند الجنينة. “إنت بتقول إيه يا ابني؟! اتجننت؟! عايز تجيبلي العار؟! عايز تتجوزها وتسيب بنت فؤاد الشربتلي؟!”
جاد وقف عند عربيته وفتح الباب، وبص لأمه بصة لأول مرة تشوفها. بصة واحد مجروح، وواخد قرار:
“العار يا أمي هو اللي كان هيحصل جوة ده. العار إنك تجيبيني هنا تتاجري بيا في قعدة صالونات بعد ما بني آدمة كسرت قلبي. أنا ماشي… ولما أرجع البيت نبقى نتكلم.”
وركب وسابها واقفة في الجنينة مش مستوعبة، وهي سامع صوت صريخ بسنت جاي من جوة.
جوة الفيلا، القيامة قامت.
بسنت كانت بتصرخ وبترزع في الأرض برجليها: “شوفت يا بابي؟! شوفت عملت فيا إيه؟! كل عريس يجيلي يحصل كده! هي السبب! أنا بكرهها! لازم تمشي من هنا… حالاً! يا أنا يا هي في البيت ده!”
مديحة هانم كانت بتلطم على خدها: “يا فضيحتي! الناس هتقول علينا إيه؟ بنتنا اتسابت عشان رحمة!”
فؤاد بيه كان حاسس بالإهانة، وكرامته كرجل أعمال كبير اتبعترت. ضرب بإيده على الترابيزة لحد ما الفناجين اتهزت: “بس! كلكوا اخرسوا!”
مسك موبايله واتصل بالدادة فوق: “خلي البنت اللي اسمها رحمة تنزلي حالاً!”
بعد دقايق نزلت رحمة وعينيها وارمة من العياط، وإيديها متعورة ومربوطة بمنديل ورق.
فؤاد بيه قال لها بكل قسوة: “لمي هدومك. إنتي سامعة؟ كل هدومك. أنا مش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني. إنتي مطرودة. روحي شوفي هتترمي فين.”
رحمة اتصدمت. “يا عمي… أروح فين؟ مليش حد غيركم… أبوس إيدك… أنا آسفة…”
“قولتلك برة!” زعق فيها لدرجة إنها اتنفضت. “مش عايز أسمع صوتك. بسببك بقيت مسخرة! بسببك بنتي هتضيع من إيدي! يلا… قبل ما أخلي الأمن يرموكي في الشارع!”
بسنت شاورت عليها بصباعها وهي بتضحك بشماتة: “خليها تغور! عشان تعرف مقامها!”
رحمة ماقدرتش ترد. طلعت أوضتها الصغيرة اللي فوق السطح… لمت هدومها القليلة في شنطة قديمة، وحضنت صورة أبوها وأمها وعيطت لحد ما نفسها اتقطع. نزلت وهي بتجر الشنطة، ومحدش منهم حتى قال لها مع السلامة.
في نفس الليلة، رحمة كانت قاعدة في جنينة عامة قريبة، شنطتها الصغيرة جنبها. الدنيا ليل وبرد، وهي مش عارفة تروح فين. تليفونها مفيهوش رصيد، وممعهاش غير مبلغ بسيط. الليل كله بتفكر في بسنت… رغم قسوتها، بس دي اللي اتربت معاها.
“يارب… يارب حلها من عندك” قالتها وهي باصة للسما.
تاني يوم الصبح الساعة 8، كانت واقفة قدام برج “الجارحي جروب”. الأمن منعها في الأول، بس بعد محايلة ودموع، واحدة من الموظفات صعبت عليها ودخلتها للسكرتيرة.
قالت للسكرتيرة وهي بتترعش: “أبوس إيدك… عايزة أقابل الباشمهندس جاد الجارحي… قوليله رحمة… بتاعة امبارح… ضروري.”
السكرتيرة استغربت بس كلمت جاد على التليفون الداخلي. بعد دقيقة قالت لها: “اتفضلي… الباشمهندس مستنيكي.”
دخلت مكتبه.
كان قاعد ورا مكتبه الضخم، لابس قميص أسود وبيبص من الإزاز على القاهرة كلها. لما دخلت، لف بالكرسي وبص لها ببرود.
“خير؟” قالها كلمة واحدة.
رحمة بلعت ريقها ودموعها نزلت غصب عنها. وقعت على ركبها في نص المكتب.
“أنا… أنا آسفة على اللي حصل امبارح. أبوس إيدك يا باشمهندس… إخطب بنت عمي بسنت. هي بتحبك… ومش هتستحمل كلام الناس. أنا السبب في كل حاجة… أرجوك. اعتبرني أختك الصغيرة.”
جاد قام من على مكتبه بهدوء وقرب منها. سكوته كان مرعب. وقف قصادها وهي لسه على الأرض وبص في عينيها اللي مليانة دموع ورعب.
شاف فيها حاجة غريبة… شاف صدق. شاف بنت مطرودة، ومستعدة تذل نفسها عشان بنت عمها اللي طردتها. البنت دي مش زي ريم… دي أصلها طيب ومعدنها أصيل.
وده خلاه يحترمها أكتر.
سند بإيده على المكتب جنبها ووطى لمستواها وقال بصوت هادي:
“قومي. مبحبش حد يوطي قصادي.”
رحمة قامت وهي بتترعش.
كمل كلامه: “موافق… بس بشرط.”
رفعت عينيها له بأمل: “أي حاجة. والله أي حاجة.”
قال: “هنتجوز. أنا وإنتي. جواز على الورق لمدة شهر واحد بس. عشان أرد كرامتي قدام الناس كلها… وأوريهم إن جاد الجارحي مبيترفضش، وإنه هو اللي بيختار. وبعد الشهر… هطلقك… وأتجوز بنت عمك بسنت زي ما إنتي عايزة. ده اتفاق.”
رحمة فتحت بوقها من الصدمة: “أتجوزك… أنا؟! بس أنا…”
جاد ابتسم نص ابتسامة باردة: “أيوه إنتي. هعيشك في مستوى عمرك ما حلمتي بيه. أكل وشرب ولبس وقصر. وفي المقابل، هتمثلي دور مراتي شهر واحد. قدام أمي وعيلتي والدنيا كلها. موافقة ولا مش موافقة؟”
رحمة بصت للأرض… هي في الشارع ومطرودة وبردانة. وده الحل الوحيد عشان تنقذ نفسها والموقف. شهر واحد وتخلص من الذل ده كله.
رفعت راسها وقالت بصوت مهزوز: “موافقة.”
جاد رجع خطوة لورا وقال: “مبروك يا مدام جاد الجارحي… مؤقتاً. اتصلي بالسكرتيرة برة خليها تجيبلك فطار.”
الفصل التالت والأخير




