كانت رايح بدرى

كنت رايح بدري آخد بنتي سلمى، اللي عندها ٨ سنين، من واحدة من أرقى المدارس الخاصة في القاهرة. كنت متوقع ألاقيها واقفة ورا البوابة وسط باقي الأطفال، مستنياني زي كل يوم.
لكن بدل ما ألاقيها هناك…
لقيتها قاعدة على الرصيف جنب بنت مراهقة مشردة، وبيحلوا مسائل حساب بعصاية صغيرة مرسومة على الأرض.
وفجأة سمعت سلمى بتضحك.
ضحكة من قلبها… ضحكة حقيقية، من غير حزن ولا خوف.
وقتها طلبت من السواق يوقف العربية فورًا، لأني ما سمعتش الضحكة دي من بنتي بقالها شهور.
أنا اسمي أحمد الشناوي، والناس عادةً بتعرفني كرجل أعمال ومستثمر ناجح قبل ما تعرفني كأب.
من بعد ما فقدت مراتي مريم من سنتين، بقيت مهووس بالمواعيد والجداول.
كل حاجة في حياتي بقى ليها معاد محدد…
الشغل، الأكل، مواعيد المدرسة، وحتى أجازة آخر الأسبوع.
كنت فاكر إن لو قدرت أتحكم في كل دقيقة في حياتي، هقدر أنسى إني فقدت أهم إنسانة في حياتي، وإن فيه حاجات مهما كنت غني أو قوي… مش هقدر أتحكم فيها.
وفي اليوم ده، عربيتي السودا كانت بتقرب من المدرسة بدري عن معادها المعتاد.
بصيت في ساعتي، وبعدها بصيت من إزاز العربية على الأهالي المتجمعين قدام المدرسة.
وفجأة…
شفت سلمى.
كانت قاعدة على الرصيف.
لكنها ما كانتش لوحدها.
جنبها كانت قاعدة بنت مراهقة اسمها ملك، لابسة هدوم واسعة وقديمة، وشنطتها متقطعة ومتغطية بأجزاء منها بشريط لاصق.
جزمتها كانت أكبر من مقاسها بكذا درجة، والجاكت الخفيف اللي لابساه ما كانش كفاية يحميها من برد الجو.
عرفت فورًا إنها بنت مشردة.
إيدي اتحركت ناحية باب العربية من القلق.
لكن قبل ما أنزل، لاحظت هما بيعملوا إيه.
سلمى كانت حاطة كشكول على رجليها، وملك ماسكة عصاية صغيرة وبتكتب بيها أرقام وأشكال على الأرض.
كانت بتشرح لسلمى الحساب!
قربت وشي من إزاز العربية وأنا مش قادر أبعد عيني عنهم.
ملك أشارت لرقم مرسوم على الأرض وقالت
لو حركتي الرقم ده هنا، الإجابة هتتغير. الحساب زي حل اللغز بالظبط… كل اللي عليكي إنك تكتشفي النمط.
سلمى فضلت باصة للأرض.
وفجأة عينيها نورت وقالت
آه! عشان كده أنا كنت بحلها غلط كل مرة!
وبعدين ضحكت.
ضحكة صافية…
ضحكة طفلة رجعت للحياة من جديد.
حسيت قلبي اتقبض.
أنا بقالِي شهور ما سمعتش سلمى بتضحك بالشكل ده.
بصيت للسواق وقلت
وقف العربية.
السواق بصلي من المراية وقال
حاضر يا فندم؟
قلتله
دلوقتي.
العربية وقفت.
نزلت على الرصيف من غير ما ألفت انتباههم، لكن ولا واحدة فيهم خدت بالها مني.
سلمى كانت مركزة مع الدرس بشكل غريب.
بقالِي شهور بدفع فلوس لمدرسين خصوصيين ومستشارين ومتخصصين، عشان أحاول أرجع بنتي زي الأول.
من بعد ۏفاة أمها، سلمى بقت هادية بشكل يوجع القلب.
كنت مستعد أدفع أي مبلغ عشان أشوف نفس البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتملأ البيت ضحك وأسئلة.
لكن مفيش حاجة نفعت.
ولا الفلوس…
ولا المدرسين…
ولا المتخصصين.
الغريب إن البنت دي، اللي ما كانش معاها غير شنطة قديمة وعصاية صغيرة، قدرت تعمل في دقايق حاجة أنا فشلت أعملها في شهور.
قربت منهم أكتر.
لكن ملك فجأة رفعت عينيها وشافتني.
ابتسامتها اختفت فورًا.
قامت بسرعة ومسكت شنطتها القديمة.
سلمى لفتت وشها ناحيتي.
بابا؟!
ملك رجعت خطوة لورا.
قلت لها بهدوء
مټخافيش… أنا بابا سلمى.
بصتلي پخوف وقالت بسرعة
أنا والله ما كنت بزعجها.
رديت عليها
أنا ما قلتش إنك بتزعجيها.
فضلت باصة ناحية الشارع، كأنها مستعدة تجري في أي لحظة.
لكن سلمى مسكت إيدي فجأة وقالت
بابا استنى… ملك ساعدتني أحل المسألة اللي المدرس الخصوصي نفسه معرفش يشرحها لي!
بصيت لبنتي…
وبعدين بصيت لملك.
وسألتها
اسمك إيه؟
سكتت ثواني، وكأنها خاېفة تقول.
لكن وقتها عيني وقعت على حاجة طالعة من الجيب الجانبي المقطوع في شنطتها.
ورقة متنية.
مديت إيدي وخدتها.
فتحتها…
وأول ما شفت اللي مكتوب عليها، جسمي كله اتجمد.
فوق الورقة كان موجود شعار مدرسة سلمى.
وتحت الشعار مباشرة…
كان فيه اسم أنا أعرفه كويس جدًا.
حسيت معدتي اتقبضت.
لأن ملك ما كانتش قاعدة قدام المدرسة بالصدفة…
كان فيه سبب.
وسبب خطېر جدًا…
والاسم المكتوب على الورقة كان على وشك يفتح سر قديم، ويقلب حياة بنتي وحياتي كلها رأسًا على عقب.
الفصل الأول الورقة اللي قلبت كل حاجة
وقفت ماسك الورقة في إيدي، ومش قادر أصدق اللي عيني شايفاه.
كان عليها شعار مدرسة سلمى، وتحت الشعار اسم مكتوب بخط واضح
مريم الشناوي.
اسم مراتي.
اسم الست اللي ماټت من سنتين.
حسيت الدنيا كلها وقفت حواليا.
بصيت للورقة مرة تانية، يمكن أكون قريت غلط.
لكن لأ.
الاسم كان واضح.
مريم أحمد الشناوي.
رفعت عيني ناحية البنت.
ملك…
صوتي خرج أهدى مما كنت حاسس بيه جوايا.
إنتي جبتي الورقة دي منين؟
ملك ما ردتش.
بصت لسلمى.
سلمى بصتلي باستغراب.
في إيه يا بابا؟
قربت الورقة من عيني.
الورقة دي كانت معاكي؟
ملك هزت راسها ببطء.
أيوه.
مين اداها لك؟
سكتت.
اتنهدت.
ملك، أنا مش هزعقلك. بس لازم أعرف.
البنت فضلت ساكتة.
كانت خاېفة بشكل واضح.
بصيت لسلمى.
سلمى، ممكن تروحي العربية دقيقة؟
سلمى رفضت فورًا.
لأ.
ليه؟
عشان ملك.
بصيت لها.
يعني إيه؟
مسكت إيدي وقالت
إنت لو مشيت، هي هتجري.
ملك بصت لها بدهشة.
سلمى كملت
هي پتخاف من الناس اللي بتسأل كتير.
بصيت لملك.
كان واضح إن سلمى عرفت عنها حاجات أكتر مني.
نزلت لمستواها وقعدت على الرصيف.
طيب يا ملك… أنا مش هسألك أسئلة كتير.
سكت شوية.
قوليلي بس… إنتي تعرفي مريم؟
وش ملك اتغير.
وبدون ما تتكلم، عينيها امتلوا دموع.
اټصدمت.
لأن دي كانت أول مرة أشوف حد يتأثر بمجرد سماع اسم مراتي بالشكل ده.
قلت
إنتي تعرفي مراتي؟
هزت راسها.
أيوه.
قلبي ضړب بسرعة.
إزاي؟
قالت بصوت ضعيف
كانت بتزورنا.
حسيت إني مش فاهم.
مين كان معاكم؟
قالت
أنا.
بس؟
سكتت.
وبعدين قالت
وأختي.
الكلمة دي خلتني أتجمد.
أختك؟
هزت راسها.
أيوه.
فين أختك؟
ملك بصت في الأرض.
مش عارفة.
اسمها إيه؟
رفعت عيني وقالت
نور.
نور.
الاسم ده ضړب في دماغي زي الصدمة.
أنا عمري ما سمعت مريم بتتكلم عن بنت اسمها نور.
ولا مرة.
ولا حتى بالصدفة.
وقفت.
مريم كانت بتزوركم فين؟
ملك أشارت ناحية شارع جانبي.
في مكان قديم.
فين؟
مش هنا.
بصيت للسواق وقلتله
خليك جنب سلمى.
وبعدين رجعت أبص لملك.
ممكن تيجي معانا؟
البنت رجعت لورا.
لأ.
مش هأذيكي.
أنا مش خاېفة منك.
أمال؟
قالت وهي بتبص ناحية المدرسة
أنا خاېفة من الناس اللي جوه.
اتجهت بنظري ناحية بوابة المدرسة.
المدرسة كانت من أرقى مدارس القاهرة.
مكان المفروض يكون آمن.
مكان كنت بدفع فيه مبلغ ضخم كل سنة عشان بنتي تتعلم وتعيش في بيئة محترمة.
فجأة بدأت أسأل نفسي
إيه علاقة المدرسة بمراتي؟
وليه اسمها موجود على ورقة مع بنت مشردة؟
وليه ملك خاېفة من المدرسة؟
وقبل ما أسأل سؤال تاني، سمعنا صوت عربية بتقف قريب.
ملك اتوترت جدًا.
مسكت شنطتها وجريت.
سلمى صړخت
ملك!
جريت وراها.
لكنها دخلت شارع جانبي بسرعة.
كنت على وشك ألحقها، لولا إن سلمى مسكت إيدي.
بابا!
بصيت لها.
سيبها.
بس…
هي هترجع.
كنت واثق إن فيه حاجة أكبر من مجرد بنت مشردة.
رجعنا العربية.
طول الطريق سلمى كانت ساكتة.
وبعدين قالت
بابا.
نعم؟
ملك مش مشردة.
بصيت لها من المراية.
يعني إيه؟
قالت
هي قالتلي إنها كانت عايشة في بيت.
فين؟
مش عارفة.
وإنتي عرفتيها إمتى؟
سكتت.
سلمى.
قالت
من شهر تقريبًا.
اټصدمت.
من شهر؟
هزت راسها.
أيوه.
وإنتي ما قولتيليش؟
بصت في حضنها.
عشان كنت فاكرة إنك هتمنعني أكلمها.
سكت.
الكلام وجعني.
لأني عرفت إنها عندها حق.
أنا فعلًا كنت همنعها.
كنت هقول لها ما تقعديش مع ناس غريبة.
ما تكلميش حد في الشارع.
ما تعوديش جنب بوابة المدرسة مع بنت مش معروفة.
لكن في اللحظة دي…
بدأت أشك إن ملك مش مجرد بنت غريبة.
وصلنا البيت.
دخلت مع سلمى.
طلبت منها تدخل تغير هدومها.
وأنا طلعت مكتبي.
قفلت الباب.
حطيت الورقة قدامي.
واتصلت بمدير المدرسة.
أستاذ شريف، محتاج أشوفك حالًا.
قال
خير يا أستاذ أحمد؟
عندي سؤال واحد.
اتفضل.
إيه علاقة مريم الشناوي بالمدرسة؟
سكت.
الصمت كان أطول من اللازم.
قلت
أستاذ شريف؟
قال أخيرًا
حضرتك تقصد زوجتك؟
أيوه.
أنا معرفش.
إزاي معرفش؟
حضرتك زوجة حضرتك كانت بتتعامل مع الإدارة من سنتين.
يعني إيه؟
قال
كانت فيه زيارات.
اتجمدت.
زيارات لإيه؟
مش هقدر أتكلم في التليفون.
أنا جاي لك.
قفلت.
مسكت مفتاح عربيتي.
لكن قبل ما أخرج، الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوت

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *