حق زينب

تاني يوم الصبح، لبست عبايتي ونزلت بنفسي شركة الكهربا والمية. كنت عايزة أقطع أي شك، وأخلي كل الفواتير والإنذارات تيجي ورقية على عنوان البيت، في صندوق البوسطة اللي كريم عمره ما بيبص فيه. الموظف سألني للتأكيد، فهزيت راسي وقولتله: “أيوة يا ابني، وقف الخصم المباشر، وابعتوا المطالبات على البيت.

” رجعت البيت وقعدت أتفرج. كريم كان بيتعامل مع الكهربا والمية كأنها هبة من السما. يدوس على الكبس النور ينور، يفتح الحنفية المية تنزل. عدى أسبوع، واتنين. كان بيغسل عربيته بخرطوم المية بالساعة، وداليا بتشغل الغسالة على بلوزتين بس، والتكييف شغال ليل نهار حتى والجو طراوة.

يوم الجمعة، كريم عزم شلة من أصحابه. كنت قاعدة في أوضتي سامعة ضحكهم العالي. واحد منهم قال له: “يا عم براحة على نفسك، البيت ده مصاريفه شكلها نار، تكييفات مركزية وإضاءة إيه وحركات.” كريم رد بصوت عالي متعمد عشان أسمعه: “هعمل إيه بس يا سيدي؟

البيت كله ومصاريف أمي على كتافي. بس أهو واجبنا، الست كبرت ومبقاش ليها حد، ولو أنا ما مسكتش زمام الأمور ودفعت الفواتير، دي ممكن تضيع قرشينها في أي كلام فاضي.” ضحكوا كلهم. بصيت لصورة حسن اللي جنبي.. لو كنت سمعت الكلام ده من شهر، كنت بكيت لحد ما عيني تعمى.

بس المرة دي، ابتسمت ابتسامة باردة واستنيت. أول فاتورة جات كانت الكهربا. اترمت في الصندوق. بعدها المية. اترمت جنبها. الفواتير اتكومت وسط إعلانات السوبر ماركت، لحد ما في يوم، وصلت ورقة لونها مختلف. ورقة ما ينفعش تتجاهل. إخطار: فصل الخدمة لعدم السداد. أخدت الورقة وحطيتها في نص ترابيزة السفرة بالظبط.

الساعة كانت سبعة وربع بالليل لما باب الشقة اتفتح. سمعت صوت خطواته، وبعدها بثلاث دقايق بالظبط، صوته جاب آخر البيت: “أمي!” طلعت من أوضتي بخطوات بطيئة. كان واقف ماسك الورقة الحمرا وإيده بتترعش من العصبية، وداليا وراه ملامحها مخطوفة. زعق فيا: “إيه ده؟ إنتِ ما بتفتحيش البوسطة؟

الفاتورة دي ما اتدفعتش ليه؟” بصيت له بمنتهى البرود وقولت: “عشان إنت قولت إنها كهربتك وميتك، وإنك مش هتدفعلي حاجة.” وشه جاب ألوان، وقال بتلعثم: “يعني إيه؟ ما هو أنا بديكي مصروف البيت! إنتِ بتاخدي الفلوس توديها فين؟

” داليا اتدخلت بنبرة اتهام: “أيوة يا ماما، كريم بيديكي تلات آلاف جنيه كل شهر، ده مبلغ مش قليل!” ابتسمت بسخرية: “تلات آلاف جنيه؟” دخلت أوضتي، وطلعت ملف بلاستيك تقيل كنت مجهزاه. رميته قدامهم على السفرة وقولتله: “افتح ده.” فتح الملف. عينه بدأت تبرق وهو بيقلب في الورق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *