رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الثالث والثمانون) بقلم سهام صادق
الفصل الثالث والثمانون (1)
ظنها دمية بين أصابعه
حاوطتها نظرات زميلاتُها بنظرة ثاقبة ومُترقبة وكأنهن ينتظرن رؤية ردة فعلها نحو تلك الجميلة التي اتجه إليها زوجها ، نظراتهم التي كانت منذ لحظات تحمل إنبهارًا صارت الآن تحمل فضولًا وترقبً.
لم تتحرك “زينب” من مكانها بل وقفت مثلهن تنظر إليهم وقد ضاقت حدقتاها بنظرة شَزْراء تحولت إلى لهيبٌ مُشتعل عندما اقتحم رأسها فجأة أمرًا أصابها بالتساؤلات، كيف عرفت وجودهم هنا ولو كانت مصادفة، هل سيـ,ـتصادفون أيضًا في مكان الأقامة ؟
_ مين المادموزيل الحلوة ديه يا “زوزو”.
سؤال السيدة “كاميليا” مديرة المعهد انتشلها من أفكارها ،لتلتف سريعًا نحوها.
وضعت السيدة “كاميليا” يدها على كتفها وأشارت برأسها نحوهم واستطردت قائلة:
_ أوعي تقوليلي إنك واقفة كده متعرفيش جوزك واقف مع مين.
نظرة السيدة “كاميليا” إليها جعلتها تبحث عن ردٍ سريع.
_ ديه صحفية عملت معاه لقاء من قريب ، وأهلها أصدقاء العيلة.
ابتسمت لها السيدة “كاميليا” ثم أومأت برأسها عدة مرات.
_ صحفية و جميلة وصديقة للعائلة الكريمة…
خرجت تمتمت السيدة “كاميليا” بنبرة تهكمية ثم اطلقت زفرة طويلة وهي تدفعها بخفة من أمامها.
_ استعجلي لينا الكابتن عشان نبدء جولتنا ولا حضرت الصحفية جاية تعمل معاه لقاء هنا.
هذه المرة كانت نبرة السيدة “كاميليا” واضحة ، إنها مُستاءة من وقوفها هكذا لكنها لا تعلم أن حياتها مع “صالح” مختلفة عنهن.
زجرتها السيدة “كاميليا” بنظرة لأول مرة تراها في عينيها حتى تتحرك.
تنهد “صالح” بضيق من ثرثرتها العجيبة التي لم يفهم منها شئ،فاشار إليها حتى تصمت قليلًا وتعطيه فرصة للحديث.
_ الظاهر إن وجودك هنا مش صدفه ولا عندك حتى رد على سؤالي ، فعموما رحلة سعيدة يا “رغد”.
فظ وغليظ القول يعلم هذا، لكنه مُجبر على تلك الطريقة معها حتى تفيق من حِلم المُراهقة الذي ما زال يآسرها.
توقدت عيناها بنظرة ساخطة وتمنت لو استطاعت صفعه لكنها مجبرة على استقبال حديثه بابتسامة واسعة حتى تثأر لكرامتها منه. كاد أن يتحرك إلا أنها التقطت ذراعه.
_ هو ده ترحيبك بيا “صالح”.
اندهش من تصرفها بعد حديثه الذي ظنه صفعةٌ قوية لها حتى يقطع حبال الأمل لديها.
_ “رغد” اِلزمي حدودك معايا ، وياريت تكوني أد كلمتك يومها… وشعورك ناحيتي يكون أتغير.
قالها وهو ينفض يدها عنه ، فأسرعت بالنظر حولها خشية من ملاحظة أحد فعلته.
تنهد بضيق عندما رأى الدموع تحجرت في عينيها ،فهو لم يعد يحب فظاظته الغليظة ولم يعد ذلك الرجل الذي كرهته منذ سنوات لكنه لا يحب صورة الراجل المراوغ.
_ “رغد”، أسوان فيها فنادق كتير هتعجبك… ياريت تشوفي مكان تاني.
هل يطلب منها الرحيل ؟ هل يظن نفسه إنه محور الكون؟
رددت ذلك داخل نفسها حتى تزيد من كرهها له و يا لها من حمقاء بائسة ، فهي كانت كاذبة عندما أخبرته ذلك اليوم أنها تكرهه ولم تعد تلك المراهقة التي رفضها مُتعللًا أنها مازالت صغيرة لِتفكر في أمور مثل هذه.
اِقتراب “زينب” منهم جعلها تنفض ضعفها بعيدًا وسرعان ما اِفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وقالت بغنج تعمدت أن يطغو على نبرة صوتها الناعمة.
_ معقول مش مبسوط من وجودي هنا يا “صالح”.
تجهمت ملامح وجهه وقد فهم سبب تحولها السريع عندما اخترق صوت “زينب” أذنيه.
_ “صالح”..
نظرته إليها جعلتها تشعر بلذة عجيبة خاصة عندما وجدت القلق ارتسم على ملامح وجهه.
استدار سريعًا نحو “زينب” معتقدًا إنه سيرى منها نظرة لن تروق له.
_ مش تعرفنا يا حبيبي.
لفظها لتلك الكلمة التي لا يسمعها منها أذهله وجعله يفتح فاه في دهشة وقبل أن تمهله فرصة حتى يستوعب ما تفوهت به ، تساءَلت.
_ أنا حاسه إني شوفتك قبل كده ، أيوه افتكرت خلاص.
رفرفت “رغد” أهدابها بغرور ثم رفعت كتفيها بخيلاء.
_ أكيد عرفتيني من اللقاء الصحفي مع كابتن “صالح” ، أو شوفتي فيديوهاتي المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي أو مثلا عرفتي إني بابي الدكتور “منتصر” صديق عمو “صفوان”.
لم تزول ابتسامة “زينب” بل التمعت عيناها بنظرة غريبة جعلته مقطب الجبين مُنتظرًا ردة فعلها.
_ معقول يا حبيبي نسيت تقولي معلومة زي ديه، لأ أنا زعلانه منك.
ورغم معرفتها الضئيلة بصداقة العائلتين إلا إنها قررت إظاهر دهشتها.
يدها التي امتدَّت للمصافحة وتلك الابتسامة التي مازالت تُرافق شفتيها جعلت صالح ينظر إليها بنظرة ثاقبة.
…
اِختفت ابتسامة “بيسان” وتوقفت عن الكلام مع أحد الموظفين.
_ حضرتك معايا يا فندم.
تساءَل بها الواقف جوارها، فاخفضت رأسها سريعًا حتى تستطيع تمالك نفسها.
أومأت برأسها واعطته الأوراق التي بيدها.
_ راجع الشروط كويس وياريت بكره بالكتير الاقي تقرير على مكتبي بالملاحظات.
تحرك الموظف من جانبها في اللحظة التي أبصرت فيها “سمية” وجودها ولم تخفىٰ على “سمية” نظرة “بيسان” نحو “كارولين”.
أشارت إليها “سمية” ثم نادتها حتى تلفت نظر ذلك الذي لا تعرف ما به اليوم.
_ “بيسان”…
هتاف والدته باسمها أصاب قلبه برجفة وابتلع ريقه دون قدرة على رفع عيناه التي يُداريها وراء نظارته السوداء والتي قرر ارتدائها حتى لا ينتبه أحد على إحمرار عيناه وتلك الهالات التي بَدَتْ بوضوح حولهما.
أقتربت منهم “بيسان” بعدما تخلصت من تلك الغصة التي اصابت حلقها ثم ابتسمت.
_ “بيسان”، “كارولين” من النهاردة هتشتغل معانا…
قالتها “سمية” وهي تنقل نظراتها بينهم.
لم يرفع “سيف” عينيه نحوها وتمتم مُعتذرًا.
_ عن إذنكم رايح مكتبي.





