في عز الظهر

​كانت الشمس في “عز الظهر” تحرق الأرض، كأنها تريد مسح أثر أي كائن حي، حين رأيت “زينب” تمشي على الطريق الترابي حافية القدمين. لم تكن تمشي.. كانت تقاوم الموت بخطواتها.
كانت “حامل في السابع”، وابنها “ياسين” صاحب الست سنوات يتشبث بطرف جلبابها، وبنتها الصغيرة “فاطمة” ذات الأربع سنوات معلقة على خصرها.. كانوا هم كل دنياها فعلاً.

​أنا كنت هناك.. رأيتها وهي تطرق أول باب:

— “لله يا محسنين.. شربة مية بس” — قالتها بصوت شرخه التعب.

​انفتح الباب موارباً، لمحهما صاحب البيت.. ثم أغلقه في وجهها. بلا صراخ، بلا شتائم.. كان الصمت أسوأ، كان صمتاً يقطر خوفاً. لأن في تلك القرية، كانت مساعدة “زينب” لها ثمن غالي. “عتمان” — طاغية النجع وكبيره — حذّر الجميع: “اللي يمد إيده للأرملة دي.. يلوم نفسه”. والخوف حين يسكن الصدور، يصبح أثقل من الذنب نفسه.

​الباب الثاني لم ينفتح أصلاً.

الثالث.. كان بيت “المعلم” الذي خفض عينه في الأرض وتمتم بكلمات عن “أكل العيش”.

الرابع، الخامس، السادس…

كل باب يُغلق لم يكن يصدر ضجيجاً، لكنني أقسم أن شيئاً ما بداخلها كان يتحطم مع كل قفل يتربس.

​لم تبكِ.. لأن ابنها الكبير “ياسين” كان يراقبها طوال الوقت بعينين نضجت قبل الأوان. أما الصبية “فاطمة”، فكانت تبكي بصمت، ضاغطة على قبضتيها الصغيرتين.

​مع حلول المغرب، خارت قوى “زينب”. جلست تحت نخلة يابسة، قسمت “رغيف عيش ناشف” لثلاث قطع، أعطت القطع الكبيرة لأطفالها. هي لم تأكل.

— “شبعانة يا ضنايا” — كذبت عليهم.

​عند الفجر، وقفت “زينب” أمام طريقين. واحد يؤدي لقرية أخرى، والثاني.. يؤدي للجبل. واختارت الجبل.

ليس شجاعةً منها، بل لأنه لم يعد أمامها خيار آخر.

 

​صعدوا لساعات.. الشمس تلسع جلودهم، والحصى يدمي أقدامهم. حتى رأتها.. في عمق مكان يسوده صمت مهيب.. كان هناك بيت قديم من الحجر. وأمام الباب.. كانت تقف امرأة. عجوز.. متصلبة كالصنم.. وفي يدها “سنجة” عريضة.

​توقفت “زينب” في مكانها، وتشبث الأطفال بها من الرعب. وهنا.. لفت العجوز رأسها ببطء. عيناها كانت بيضاء تماماً.. “مكفوفة”. لكنها مع ذلك، كانت تنظر باتجاههم مباشرة، وكأنها كانت تنتظرهم منذ سنين.

​أصبح الهواء ثقيلاً، حتى ابتسمت العجوز ابتسامة باردة، وقالت بصوت هادئ ومخيف:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *