في عز الظهر

— “أنا كنت مستنياكي يا زينب..”
شعرت زينب بـ “ركبها” تخونها. كيف عرفت اسمها؟ كيف لامرأة كفيفة أن تعلم بوصولها؟ ولماذا تمسك بتلك السنجة وكأنها مستعدة لحرب؟ والأكثر رعباً.. لماذا كان اسم هذه العجوز “الشيخة خضرة” يجعل “عتمان” نفسه، أقوى رجل في النجع، يرتجف إذا ذُكر اسمها؟
تنحت العجوز جانباً ببطء، وتُرك الباب مفتوحاً..
وكان على “زينب” أن تقرر.. هل تدخل؟ أم تعود لتموت في الطريق؟
دخلت “زينب” البيت بخطوات مرتجفة، وما إن تجاوزت العتبة حتى شعرت ببرودة غريبة تسري في المكان رغم لهيب الخارج. البيت من الداخل لم يكن كبيراً، لكنه كان مليئاً برائحة “بخور” قديم وأعشاب مجففة معلقة في السقف.
وضعت العجوز “خضرة” السنجة على طاولة خشبية ونطقت بلهجة آمرة:
— “اجلسي يا بنة الأصول.. النسل اللي في بطنك ده مش عادي، وعتمان عارف كدة كويس.”
تسمرت زينب في مكانها: “يعني إيه يا شيخة؟ عتمان عايز يخلص مني عشان ورث جوزي الله يرحمه.. مش أكتر.”
ضحكت العجوز ضحكة خافتة
هزت أركان البيت:
— “عتمان مش خايف على الأرض.. عتمان خايف من (النبوءة). جد عتمان الكبير كان ظالم، وفي ليلة زي دي من مية سنة، “الشيخة خضرة” اللي هي جدتي، قالت له إن عزه هينتهي على إيد طفل هيتولد من صلب عيلة (أبو زيد).. وجوزك كان آخر راجل في العيلة دي، والطفل اللي في بطنك هو صاحب الحق.”
لم تمضِ ساعات حتى سمعوا وقع حوافر خيول تقترب. عتمان لم يتركها تهرب، فقد كان يراقب الجبل. وصل عتمان مع خمسة من رجاله المسلحين، وقفوا أمام البيت وصرخ عتمان بصوت أجش:
— “يا خضرة.. طلعي الست دي وعيالها، وبلاش نفتح دفاتر قديمة الجبل مش حملها!”
خرجت العجوز وهي تمسك بسنجتها، وخلفها زينب التي كانت تمسك ببطنها من الألم.. لقد بدأت “آلام المخاض” تداهمها في أصعب وقت ممكن.
قالت العجوز بقوة لا تناسب سنها:
— “اللي يخطو العتبة دي، هيدخل قبره بليلة قبل ميعاده يا عتمان. الأرض دي مش أرضك، والوقت انتهى.”
سخر عتمان وأمر رجاله بالهجوم، لكن حدث ما لم يتوقعه أحد. فجأة، هبت ريح صرصر عاتية من فجوات الجبل، وبدأت الرمال تلتف حول البيت كأنها درع حامٍ. تعثرت الخيول وسقط الرجال، بينما كانت “خضرة” تتمتم بكلمات غير مفهومة.
المخاض والسر المدفون
في الداخل، كانت زينب تصارع الألم. وفجأة، صرخت صرخة دوت في أرجاء الجبل، ومع صرختها، انشقت الأرض داخل الغرفة القديمة لتظهر “فجوة” صغيرة تحت الحصير.



