في عزومة رمضان، سمعت أبويا بيخطط ينقل عيلة أختي لشقتي اللي تمنها ملايين "ببلاش". ابتسمت وسيبتهم يجهزوا شنطهم ويتمنظروا.. لكن وهما بيلموا حاجتهم، كنت أنا بعتها واختفيت. ولما فهموا الصدمة أخيراً: لقيت 39 مكالمة فايتة.. اكتشفت إن أبويا "وهب" شقتي لغيري في قعدة عائلية. محدش خد رأيي، ولا حد فتح معايا الموضوع. ده الأسلوب الملتوي اللي بتستخدمه بعض الأهالي عشان يحسسوك إن ممتلكاتك وتعبك هما مجرد "واجب أخلاقي" عليك تجاههم. اتصرفوا في مالي وكأني مش موجودة. الشقة كانت في منطقة راقية، غرفتين وصالة وتمنها يعدي الـ 15 مليون جنيه، دافعة تمنها بالكامل من شقايا، ما عدا قرض بسيط كنت واخدة بيه تسهيلات عشان التوضيبات. اشتريتها وأنا عندي 31 سنة بعد 10 سنين شغل وتعب في مبيعات الأجهزة الطبية، كنت بعيش على القد، وبقبل بأي شغل أو منطقة غيري بيرفضها عشان أبني نفسي. الشقة كانت جدرانها بيضاء، وشبابيكها متأمنة، وليها بلكونة بتطل على النيل، ومطبخ هدّيته وبنيته من أول وجديد بفلوسي وتصميمي. كانت أول حاجة أملكها في حياتي وأحس إنها بتاعتي بجد. في المناسبة، سافرت 3 ساعات عشان أروح بيت أبويا، لأن أختي "هناء" قالت إن العيلة محتاجة "لمة طبيعية". كان المفروض الكلمة دي تقلقني، لأن كلمة "طبيعي" في عيلتنا معناها إن الكل يسكت ويوافق على اللي يريح "هناء". هناء عندها 3 أطفال، وزوج اسمه "وائل" عنده مشاريع وهمية مبتخلصش، وسلسلة من الأزمات المادية اللي مابتمنعهمش إنهم يسافروا ويصرفوا ببذخ على حاجات ميقدروش على تمنها. أبويا كان بيتعامل معاها كأنها جمعية خيرية مستثمر فيها مشاعره، أي قرار غلط منها كان بيسميه "نصيب وقدر"، وأي فاتورة تهملها يقول "أزمة وتعدي"، وأي نتيجة لفشلهم كانت بتبقى فرصة لينا عشان نثبت "أصلنا"، ولو رفضنا نصلح وراهم يبقى إحنا أنانيين ومعندناش دم. وصلت هناك على المغرب، ومعايا حلويات وفاكهة. البيت كانت ريحته أكل وخشب. ولاد أختي كانوا مبهدلين الدنيا في الصالة، وهناء كانت بتتكلم بصوت عالي عن المدارس والـ "بداية الجديدة" لكل اللي قاعدين. ووائل كان واقف يصب لنفسه عصير ويتصرف كأنه صاحب البيت. محدش جاب سيرة شقتي.. مش في الأول. بعد الأكل، طلعت في الطرقة عشان جالي تليفون شغل من عميل مهم، المكالمة خلصت بسرعة وكنت لسه راجعة لما سمعت صوت أبويا من الصالون، صوته كان واثق وهادي، زي صوت الرجالة لما بياخدوا قرارات بفلوس غيرهم. قال: "الموضوع منتهي، أليسا أصلاً مش محتاجة الشقة دي وقاعدة لوحدها، هناء ووائل ينقلوا هناك بعد العيد، ومن غير إيجار، خليهم يقفوا على رجليهم." وقفت مكاني من الصدمة. هناء ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: "دي هتتجنن يا بابا." أبويا رد ببرود: "هتزعق شوية، وبعدين هتعمل الصح كالعادة.. هي طول عمرها بتسمع الكلام." وائل سأل: "طب والمفاتيح؟" أبويا قال: "سيبوا أليسا عليا، أول ما العيال يلموا شنطهم ويقفوا قدام الباب، مش هتقدر ترمي أختها ولادها في الشارع." كلهم ضحكوا. كنت واقفة في الضلمة والموبايل في إيدي، بسمع عيلتي وهي بتوزع بيتي وتورثني وأنا حية وكأني أوضة زيادة فوق السطوح. محدش سألني، ومحدش شك لحظة إن الخطة هتفشل. حطوني في الدور اللي حبسوني فيه طول حياتي: البنت العاقلة، اللي معاها فلوس، اللي المفروض تستحمل القرف عشان "هناء" تفضل عايشة دور الضحية وإن الدنيا هي اللي جاية عليها. رجعت أوضة السفرة وشيلت الأطباق. لا دموع، ولا زعيق، ولا خناق. هناء بصتلي بابتسامة صفراء وقالت: "كله تمام يا حبيبتي؟" قلت لها: "تمام جداً." وخلال الساعتين اللي بعدهم، مثلت الدور صح لدرجة إنهم مشكوش في حاجة. غسلت المواعين، وضحكت على قصص وائل الهبلة عن شغله الفاشل، وسمعت هناء وهي بتحلم بقد إيه الحياة هتبقى أحلى للعيال "قريب من الساحل". أبويا كان بيبصلي بصه انتصار وكأنه ضامن إني في جيبه. على نص الليل، كنت عارفة بالظبط أنا هعمل إيه. مش هدخل في خناق ولا نقاش. أنا هسيبهم يلموا هدومهم ويحجزوا عربيات نقل العفش.. وفي اللحظة دي، هكون بعت الشقة كاش لواحد غريب. وعلى ما يفهموا إيه اللي حصل، هكون بقيت في مكان يستحيل يوصلولي فيه. بمجرد ما وصلت بيتي، مكنش فيه وقت للندم. فتحت اللابتوب وكلمت سمسار عقارات كنت بتعامل معاه قبل كده، قلتله: "الشقة للبيع، كاش، وبسعر لُقطة للي يخلص النهاردة". في خلال 48 ساعة، كان فيه مستثمر بيدور على حاجة جاهزة، عاين الشقة، وخلصنا الورق في الشهر العقاري. أخدت فلوسي، وحولت كل مليم لحساب بره البلد، وحجزت تذكرة طيران لجهة مكنتش مخططة لها أصلاً. الخطة كانت ماشية بالظبط: الأسبوع الأول: هناء ووائل بدأوا يجمعوا حاجتهم في كراتين، وبدأوا يبعتوا صور على جروب العيلة لـ "العفش الجديد" اللي هيجيبوه لصالوني. الأسبوع التاني: أبويا اتصل بيا بلهجة آمرة: "أليسا، عدي عليا بالليل سيبي مفاتيح الشقة عشان هناء هتنقل بكرة الصبح". ردي: قفلت السكة في وشة وعملت "Block" للكل. يوم النقل، الموقف كان زي الأفلام. عربية العفش واقفة قدام العمارة، هناء والعيال ووائل وأبويا معاهم، طالعين بكل ثقة يفتحوا "بيتهم الجديد". وائل كان بيحاول يفتح الباب بالمفتاح القديم اللي صوره من ورايا، بس المفتاح مكنش بيدخل أصلاً.. لأن المالك الجديد كان غير الكوالين كلها. خرج لهم المالك الجديد، راجل ضخم ومعاه اتنين أمن، سألهم بحدة: "إنتوا مين وعايزين إيه؟". أبويا رد بصوت عالي: "إنت اللي مين؟ دي شقة بنتي!". الراجل طلع عقد البيع المسجل والنهائي وقالهم ببرود: "أنا شاري الشقة دي كاش من صاحبتها، وأي حد هيقرب من الباب هطلب له البوليس". النهاية: في اللحظة دي، بدأت المكالمات تنهال عليا. 10، 20، وصلوا لـ 39 مكالمة فائتة في ساعة واحدة. رسايل شتيمة، ورسايل توسل، ورسايل من أبويا بيقولي فيها "إنتي كسرتي ضهري قدام الناس". أنا كنت في الوقت ده قاعدة في كافيه على البحر في بلد تانية خالص، بغير شريحة الموبايل وبرمي القديمة في البحر. لأول مرة في حياتي، محستش بالذنب. هما اللي قرروا يبيعوا "سقفي" عشان يداروا على فشلهم، فكان الرد إني بعت "أوهامهم" واشتريت بيها حريتي. وزي ما بيقولوا: "اللي يبيعك بالفول، بيعه بقشره". صوت الموبايل مكنش بيبطل رن، والرسائل كانت نازلة زي المطر. "إنتي فين؟"، "الراجل بيقول إنه اشترى الشقة!"، "يا واطية يا اللي بعتي أختك!". كنت بقرأ الكلام ده وأنا بطلب قهوتي في المطار، ببرود أعصاب عمري ما تخيلت إنه عندي. أبويا بعت رسالة صوتية أخيرة، صوته كان بيرعش من الغضب والكسرة: "يا أليسا.. العيال واقفين في الشارع وسط العفش، والناس بتتفرج علينا.. اطلعي من جحرك وردي، إنتي هتروحي من ربنا فين؟". مسحت الرسالة وما ردتش. هما اللي بدأوا. هما اللي اتعاملوا مع حياتي وشقايا وكأنه "حق مكتسب"، وفكروا يرموني في الشارع المعنوي عشان هناء تعيش "الهانم" في تعبي. اللي حصل بعدها كان هو "القاضية": وائل وهناء: اضطروا يرجعوا العفش كله المخازن، وباتوا ليلتها في لوكاندة رخيصة بفلوس استلفوها من أبويا، لأن شقتهم القديمة كانوا خلاص سابوها. أبويا: لأول مرة في حياته، واجه نتيجة "دلع هناء". بقى مضطر يصرف عليهم من معاشه ويقعدهم معاه في بيته الصغير، وهو اللي كان فاكر إنه "حل المشكلة" للأبد على حسابي. أنا: قفلت حساباتي البنكية في مصر، وسحبت خط الائتمان اللي كنت سايباه، وسبت لهم "الذكرى" الوحيدة اللي تربطني بيهم: صورة المفتاح القديم اللي بعتها على جروب العيلة قبل ما أخرج منه للأبد. آخر حاجة شفتها قبل ما أقفل تليفوني تماماً: بوست لهناء على فيسبوك كاتبة فيه عن "غدر القرايب" و"صدمتها في أختها". ضحكت من قلبي.. لسه عايشة دور الضحية حتى وهي اللي كانت جاية تسرقني. حطيت السماعات في ودني، وغمضت عيني والطيارة بتتحرك. مكنش ورايا شقة، ولا عيلة بتستغلني، ولا التزامات "أخلاقية" مزيفة. كان قدامي بس حياة جديدة، بفلوسي اللي تعبت فيها، في مكان ميعرفوش فيه حتى اسمي. الدرس اللي اتعلموه كان غالي أوي: "اللي يفتكر إن طيبتك ضعف، لازم يستحمل لما تقلب القسوة عليه طوفان". بعد أسبوع، استقريت في مكاني الجديد. اشتريت خط محلي، وفتحت "فيسبوك" من حساب وهمي بس عشان أشوف "الآثار الجانبية" للانفجار اللي سبته ورايا. كانت الدنيا مقلوبة. هناء منزلة صور للكراتين وهي محطوطة في صالة بيت أبويا الضيقة، وكاتبة بوستات طويلة عن "الرزق اللي بيتقطع" و"القلوب الحجر". أما وائل، فكان بيحاول يكلم محاميين عشان يشوفوا ثغرة في عقد البيع، وطبعاً كل المحاميين قالوا له نفس الجملة: "الشقة ملكها، والبيع قانوني 100%، إنتوا صفتكم إيه؟". أبويا كان أكتر واحد مصدوم. مش عشان الشقة ضاعت، لا.. عشان "كلمته" هي اللي اتكسرت. هو اللي وعد هناء، وهو اللي شال شيلتها، ودلوقتي لقى نفسه محبوس في بيت صغير مع بنته المدلعة، وجوزها الفاشل، وتلات أطفال مبيبطلوش زن. بعت رسالة واحدة بس لأبويا من رقم غريب، عشان أقفل القصة دي للأبد: "يا بابا، إنت قلت إن 'أليسا هتعمل الصح'.. وأنا فعلاً عملت الصح. الصح إني محملش حد فشل غيري، والصح إن اللي يتعب في قرش يحافظ عليه. الشقة اتباعت، والفلوس في مكان أمان، وحياتي اللي كنتوا فاكرين إنكم تملكوها.. بقت ملكي أنا بس. متدوروش عليا، لأن أليسا القديمة اللي كانت 'بتسمع الكلام' مابقتش موجودة." عملت "Block" نهائي. قمت وقفت في بلكونة بيتي الجديد، مكنش فيه نيل، ولا كان فيه "مرسى"، بس كان فيه "راحة بال" متتشرى بمال. بصيت للسماء وقلت "الحمد لله". أوقات بيبقى الحل الوحيد عشان تبدأ صح، هو إنك تحرق كل المراكب اللي ممكن ترجعك لناس مبيقدروش قيمتك. ودلوقتي، أنا بكتب مذكراتي عن "البداية الجديدة"، وبقول لكل واحدة مكان أليسا: "ماتسمحيش لحد يكتب فصل في قصة حياتك.. القلم لازم يفضل في إيدك إنتي". القصه مقتبسه من قصه اجنبيه يعني لا تمثلنا ماينفعش بنت عندنا تروح تسافر بدون محرم وماينفعش بنت تقسي ع ابوها ماهما كان معاكم صافي هاني