في ليله دخلتي

في ليلة دخلتي، بدل ما يقدملي كلمة حلوة، جوزي رما في وشي حتة قماشة قديمة ومتبهدلة بتاعة مسح.
بصلي بابتسامة باردة وقالي منورة عيلتنا الجديدة.. يلا شدي حيلك وورينا شطارتك في تنضيف البيت. فضلت واقفة في مكاني لثواني بفستان الفرح الأبيض المنفوش، ريحتي لسه فواحة بماء الورد والبرفان الغالي، ومش مستوعبة، هل أنا فهمت الراجل اللي لسه كاتبة كتابي عليه من كام ساعة غلط؟ بس النظرة اللي كانت في عين أمه حسمت كل حاجة وعرفتني إن مفيش سوء تفاهم. الموضوع مكنش هزار، ده كان اختبار، والاثنين كانوا واثقين وعشمنا نفسهم إني هقع وأتكسر من أول قلم. أنا اسمي نورا، والصبح ده كنت ماشية زي الملكة وسط القاعة والكل بيتحاكى بجمال فرحنا في أكبر فندق في الزمالك، الورد الأبيض مالي الترابيزات، والكاسات بتلمع تحت الإضاءة، والمزيكا الهادية مخلية المعازيم كلهم يفتكروا إنهم بيحضروا قصة حب أسطورية مالهاش مثيل. جوزي، طارق عبد الجليل، كان طالع زي القمر بالبدلة السموكنج السوداء، راجل شيك، هادي، وابن ناس، من العائلات اللي ليها اسم ووراها أسرار ميعلمش بيها إلا ربنا. أمه، الحاجة ثريا، كانت بتبصلي طول الفرح بابتسامة عريضة وكأنها بترحب بيا في الجنة، بس لما بفتكر النظرة دي دلوقتي، بعرف إنها مكنتش ابتسامة ترحيب، دي كانت نظرة تملك، كأنها شافت صيد سهل وقع في المصيدة من غير ما يقرا الشروط.
على ما الفرح خلص والزفة انفضت، رجلي كانت وجعاني من الكعب العالي، وخدودي اتيبست من كتر الابتسام للناس والمصورين. كنت فاكرة إن الصعب كله عدا، وإني خلاص رايحة لبيتي ومستقبلي مع الراجل اللي اختارته، وإني ببدأ أول ليلة في حياتنا الجديدة، بس الحقيقة كانت صدمة فوق ما عقلي يتخيل. طارق أخدني بالعربية لفيلا عيلتهم الكبيرة في التجمع، مكان واسع ومحاط بسور حديد عالي وشجر متقفل بطريقة تخض. كنت روحت هناك قبل كده في الخطوبة، عزومات رسمية وكلام منمق وكل واحد راسم الابتسامة على
وشه، بس الليلة دي، أول ما باب الفيلا اتقفل ورايا، الدفى كله اختفى. المزيكا سكتت، والناس مشيت، ولقيت نفسي واقفة وسط الصالة الكبيرة بفستاني الأبيض وطارق بيقلع الجاكيت ويسيب الكرافتة ويعدي من جنبي وكأني حتة أباجورة ملهاش لازمة في المكان. صب لنفسه عصير من على البار، ومكلفش نفسه يسألني لو كنت عطشانة أو تعبانة، ولا حتى بصلي البصة اللي أي عريس بيبصها لعروسته في ليلة زي دي.
في اللحظة دي، ظهرت الحاجة ثريا من الطرقة، كانت قلعت توب الفرح ولبست عباية بيتي مريحة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر. بصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة جافة خلاص يا حبيبتي، الهيصة خلصت والجد بدأ. طارق ضحك ضحكة صفرا مكتومة، وأنا حسيت بنغزة في معدتي وسألتها قصدك إيه يا طنط؟ الحاجة ثريا مردتش، لكن طارق دخل المطبخ وجاب حتة القماشة المبلولة دي من جنب الحوض، وجه وقف قدامي، ومن غير أي مقدمات رماها في وشي. القماشة لمتست خدي ووقعت تحت رجلي على الرخام. نفسي اتقطع، وطارق رفع كبيته وقالي ببرود أهو ده نظام عيلتنا.. شمرّي واشتغلي. حماتي مهتزتش، ولا زعقت له، ولا قالت له عيب دي مراتك وفي ليلة دخلتها، دي كانت بتبص ب رضا تام، كأن ده طقس من طقوس البيت، وكأن أي ست هتدخل عيلة عبد الجليل لازم تتكسر هيبتها الأول عشان تتربى على إيديهم.
الصالون كله سكت، مكنش فيه غير صوت تكتكة الساعة القديمة وصوت ضربات قلبي اللي بتوجعني في وداني. الوعي صحي جوايا فجأة، وعرفت إنهم مجبونيش هنا عشان أكون ست البيت وشريكة حياة، دول جابوني عشان أكون مجرد واجهة وخداّمة لطلباتهم، ست تبتسم في الصور وتشيل اسمهم وتوطي راسها لما يحبوا يذلوها. طارق ساند ضهره على الباب وقالي متبصيش كده يا نورا، أمي استلمت البيت ده وعملت كده لما اتجوزت أبويا، ودلوقتي جه دورك. حماتي هزت راسها وقالت الست العاقلة هي اللي تثبت شطارتها في سكات. بصيت للقماشة المرمية على الأرض، وبعدين بصيت لفستاني اللي كلف ألوفات مؤلفة وأهل طارق هما اللي صمموا يختاروه، وافقت ساعتها عشان قلت بلاش مشاكل، ومكنتش فاهمة إنهم بيختاروا حاجة تكسرني وتخليني تحت طوعهم. نزلت براحة ولميت القماشة من على الأرض، ابتسامة طارق وسعت وافتكر إنه كسرني، وحماتي وشها نور من الفرحة.. بس الاثنين مكنوش يعرفوا الحقيقة. مكنوش يعرفوا إن نورا مش العروسة الضعيفة اللي هما نقوها على الفرازة، مكنوش يعرفوا إن أبويا بقاله تلاتين سنة شغال في تحقيقات القضايا الكبيرة ومكافحة الفساد، وإني كبرت وسط ملفات القضايا، الحسابات المستخبية، والرجال اللي بيبانوا محترمين قدام الناس لحد ما تدور ورا فلوسهم. والأهم من كل ده، مكنوش يعرفوا إن قبل الفرح بأسبوعين بس، أنا كنت حطيت إيدي على أول خيط لسر خطير يخصهم.
طبقت القماشة في إيدي بكل هدوء وقلت بصوت واطي حاضر، من عينيا. وسبتهم وطلعت على فوق، وسمعت صوت طارق وهو بيضحك ورايا ويقول لأمه طلعت مطيعة ومتربية. دي كانت غلطته الثانية، أما غلطته الأولى فكانت إنه افتكر إني اتجوزته عشان بحبه. دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح، وفتحت شنطتي الصغيرة السواريه اللي كانت في إيدي طول الليل، مكنش فيها روج ولا بروفان، كان فيها فلاشة، وتليفون صغير بخط غير مسجل، وصور من مستندات وحسابات بنكية طارق كان فاكر إن محدش في الدنيا هيوصل لها أبداً. الساعة كانت حداشر وسبعة وأربعين دقيقة بالليل، وفي الوقت اللي كان جوزي وأمه واقفين تحت بيحتفلوا بكسري، أنا بعت رسالة واحدة بس ابدأ النقل فوراً.. واقفل الحسابات لو مكلمتكتش كمان عشر دقائق. بصيت لنفسي في المراية.. الفستان الأبيض، خدي الأحمر من أثر القماشة، ومستقبلي كله في كفة ثانية. ولأول مرة الليلة دي، ابتسمت من قلبي، لأن طارق عبد الجليل لسه مهين الست الوحيدة اللي قادرة تنهي سلالته وتمحي اسمه من السوق كله من غير ما ترفع صوتها..
الخطوة دي مكنتش مجرد حماية لنفسي، دي كانت بداية الخطة اللي هتدمر الإمبراطورية اللي حماتي وجوزي فاكرين إنهم بيذلوا الناس بيها. يا ترى إيه السر المرعب اللي نورا لفت حبل المشنقة بيه حوالين رقبة طارق وعيلته؟ وإيه اللي هيحصل لما طارق يطلع الأوضة ويكتشف إن عروسته المطيعة تحولت لأخطر تهديد لحياته؟
الساعة كانت قربت على منتصف الليل، والفيلا هادية بشكل يخوف.
من تحت، كنت سامعة ضحكة الحاجة ثريا وهي بتحكي لابنها بفخر إزاي عرفوا يربّوا العروسة من أول ليلة، وصوت الكوبايات وهي بتترص على الصينية، كأن اللي حصل من شوية انتصار عائلي قديم بيتكرر.
أما أنا
فكنت قاعدة قدام التسريحة، بفستان الفرح، وباصة لانعكاسي في المراية.
وشي كان هادي جدًا.
الهدوء اللي بييجي قبل الكارثة.
التليفون الصغير اللي في إيدي اهتز اهتزازة واحدة.
رسالة قصيرة
تم النقل.
كل الحسابات اتجمدت.
ابتسمت.
وأخيرًا اللعبة بدأت بجد.
قبل الفرح بثلاث أسابيع، وأنا براجع بعض ملفات الشغل مع والدي، اسم شركة عبد الجليل للتوريدات عدى قدامي بالصدفة.
شركة ضخمة.
سمعتها في السوق نضيفة جدًا.
تبرعات، رجال أعمال، صور مع مسؤولين، ولقاءات تلفزيون.
لكن أبويا وقف عند الاسم ثانيتين زيادة عن اللزوم.
وده علمني حاجة طول عمري
الضابط الشاطر لما يسكت يبقى شاف مصيبة.
سألته
فيه إيه؟
رد بهدوء
الناس دي ريحتها مش مريحة.
ومن اللحظة دي، بدأت أدور.
في الأول كان فضول.
بعدها بقى شك.
وبعدين
بقى يقين.
شركة عبد الجليل ماكانتش مجرد شركة توريدات.
دي كانت غسالة ضخمة لغسيل الأموال.
عقود وهمية.
استيراد بأرقام مضروبة.
تحويلات لبرا مصر بأسماء شركات ورقية.
وطارق
كان ماسك أهم جزء في اللعبة.
الواجهة النظيفة.
الابن المثقف الهادئ اللي محدش يشك فيه.
لكن الغلطة اللي وقعته؟
إنه وثق فيا زيادة.
ساب لابتوبه مفتوح مرة في كافيه وإحنا مخطوبين، ودخل يرد على مكالمة.
سبع دقايق بس.
سبع دقايق كانوا كفاية إني أنسخ ملفات كاملة على فلاشة صغيرة متعلقة في سلسلة مفاتيحي.
وقتها ماكنتش ناوية أفضحه.
كنت بس عايزة أفهم.
لكن بعد ليلة القماشة
أقسمت إنه يندم.




