حماتي قعدت سبع سنين تعايرني

إن المشكلة مجرد كلام.
دموعي نزلت لأول مرة.
لأن الجملة دي كنت مستنياها من سنين.
سنين كاملة.
كريم مسك إيدي.
وقال قدام الجميع
أي حق ليكي هيرجع.
حتى لو اضطرينا نبيع كل حاجة.
فوزية رفعت رأسها بسرعة.
وبصت له.
وكان واضح إن الجملة وجعتها.
لكنها ما اعترضتش.
لأنها عرفت إن اللعبة انتهت.
وإن الحقيقة خرجت للنور أخيراً.
لكن محدش كان يعرف إن المفاجأة الأكبر لسه جاية…
وإن الدفتر القديم كان مخبي سر أخطر من الفلوس نفسها.
بعد ما الناس بدأت تمشي من السبوع، الشقة بقت هادية بشكل غريب.
من كام ساعة بس كانت مليانة ضحك وزغاريط، ودلوقتي بقت مليانة نظرات متوترة وأسئلة محدش لاقي لها إجابة.
نور كانت نايمة في أوضتها.
وأنا قاعدة في الصالة قدام الدفتر القديم.
كريم قاعد قصادي ساكت.
أما الحاجة فوزية فكانت قاعدة في الركن، كأنها كبرت عشر سنين في يوم واحد.
أمينة كانت لسه موجودة.
وقالت وهي بتقلب في الورق
أنا قلت اللي عندي كله.
لكن في حاجة لازم تشوفوها.
طلعت ظرف صغير من الملف.
وقالت
ده أنا عمري ما فتحته.
الحاج مدبولي كان قافله بنفسه.
وكتب عليه يفتح بعد وفاتي إذا ظهر نزاع على الحق.
كلنا بصينا للظرف.
كريم أخده.
وبص لأمه.
فوزية نزلت عينها في الأرض.
فتح الظرف ببطء.
وطلع منه جواب قديم.
الورق كان مصفر من الزمن.
بدأ يقرأ بصوت عالي
أنا مدبولي أحمد مدبولي، أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أن عمري اقترب من نهايته…
الصالة كلها سكتت.
كمل قراءة
لقد ظلمت شريكي عبد الحميد الصاوي، وأخذت ما ليس من حقي. لكن هذا ليس أكبر ذنوبي.
بصينا لبعض.
إيه أكبر من كده؟
كريم كمل
هناك حقيقة أخفيتها عن الجميع أكثر من ثلاثين عاماً.
هنا لاحظت إن فوزية بدأت ترتعش.
وأمينة بصتلها نظرة طويلة.
كريم كمل
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابني كريم، فأنا أطلب منه أن يقرأ للنهاية قبل أن يحكم على أحد.
كريم سكت لحظة.
وبعدين كمل.
كريم ليس ابني الوحيد.
الصالة اتجمدت.
حرفياً.
أنا نفسي حسيت إني مش قادرة أتنفس.
كريم رفع رأسه.
وبص للورقة.
كأنه مش مصدق اللي بيقرأه.
ثم أكمل
قبل زواجي من فوزية بسنوات، كان لي ابن آخر من زوجتي الأولى التي توفيت أثناء الولادة.
فوزية أغمضت عينيها.
كأنها كانت عارفة الكلام ده.
كريم أكمل
اضطررت لإرسال الطفل ليعيش مع خاله بسبب ظروف العمل والسفر. وبعد سنوات فقدت التواصل معه.
واحد من أعمام كريم قال بدهشة
يعني كريم ليه أخ؟
الجميع بص لبعض.
لكن الرسالة لسه مخلصتش.
بحثت عنه كثيراً قبل وفاتي. وعرفت أنه ما زال حياً. وتركت بياناته كاملة في الملف المرفق.
كريم قلب الورق بسرعة.
ولقى ورقة تانية.
فيها اسم.
وعنوان.
وصورة قديمة.
كريم كان مذهول.
أما فوزية فوشها شحب أكتر.
سألتها أمينة
كنتِ عارفة؟
فوزية سكتت.
عم كريم صرخ
كنتِ عارفة ولا لأ؟
بعد لحظات طويلة قالت
أيوة.
كلنا بصينا لها.
عرفت قبل ما مدبولي يموت بسنة.
وسكتي؟
كنت خايفة.
من إيه؟
يرجع ياخد نص التجارة.
عم كريم ضرب كفه في كف.
يا نهار أبيض!
أنا كنت ببص لفوزية ومش قادرة أستوعب.
السر الأول كان سرقة حق أبويا.
والسر التاني إنها أخفت وجود ابن تاني لجوزها.
يعني الرجل مات وهو سايب وصية.
وهي دفنتها.
كريم كان ساكت تماماً.
واضح إنه دخل في صدمة حقيقية.
لأنه اكتشف فجأة إن عنده أخ أكبر منه.
أخ عمره ما عرف بوجوده.
وأبوه مات قبل ما يجمعهم.
بعد شوية.
قام كريم.
وقال
أنا لازم أوصله.
فوزية رفعت رأسها بسرعة.
بعد العمر ده كله؟
ده أخويا.
يمكن ميعرفش حاجة عننا.
يبقى يعرف.
سكتت.
ولأول مرة محدش رد عليها.
في اليوم التالي…
أنا وكريم وأمينة سافرنا للعنوان المكتوب.
كان في مدينة صغيرة بعيد عن القاهرة.
رحلة طويلة كلها صمت.
كل واحد غرقان في أفكاره.
بعد ساعات وصلنا.
البيت كان بسيط جداً.
بيت قديم من دور واحد.
وقفنا قدامه.
وكريم خبط الباب.
فتح راجل في أواخر الخمسينات.
ملامحه هادية.
وشعره كله أبيض تقريباً.
لكن أول ما شفته…
اتصدمت.
كان شبه الحاج مدبولي بشكل مرعب.
نفس العينين.
ونفس شكل الفك.
الراجل بص لنا باستغراب.
خير؟
كريم بلع ريقه.
وقال
حضرتك اسمك حسن مدبولي؟
الراجل هز رأسه.
أيوة.
كريم مد له الجواب.
ممكن تقرأ ده؟
الراجل أخد الورقة.
وبدأ يقرأ.
كل سطر كان بيغير ملامحه.
لحد ما وصل للنهاية.
وإيده بدأت ترتعش.
وبعدين رفع عينه.
وبص لكريم.
لفترة طويلة.
كأنهم بيبصوا في مراية.
وأخيراً قال
يعني… إحنا إخوات؟
كريم هز رأسه.
ما قدرش يتكلم.
حسن قعد على أقرب كرسي.
وحط إيده على وشه.
وبكى.
بكى لأول مرة قدام ناس يمكن ما يعرفهمش.
وقال بصوت مكسور
طول عمري فاكر إن أبويا مات وسابني.
طول عمري فاكر إنه نسي وجودي.
كريم قرب منه.
وحط إيده على كتفه.
لأ.
كان بيدور عليا؟
أيوة.
وساب وصية كمان.
فضل حسن يبكي دقائق طويلة.
وأنا حسيت إن سنين من الألم بتخرج منه دفعة واحدة.
بعد ما هدي شوية.
دخلنا البيت.
وقعدنا نتكلم.
وحسن بدأ يحكي حياته.
اتربى عند خاله.
واشتغل من صغره.
واتجوز.
وخلف ولدين وبنت.
وعمره ما عرف أي حاجة عن أبوه.
ولا عن العيلة.
ولا عن التجارة.
ولا عن الثروة.
ولا حتى عن أخوه.
لكن وسط الكلام…
قال جملة خلتنا كلنا نسكت.
قال
الغريب إن فيه راجل جهلي من حوالي عشر سنين.
وسأل عني.
كريم استغرب.
مين؟
معرفش.
بس كان من القاهرة.
ولما عرف إني عايش وموجود مشي بسرعة.
أمينة بصت لفوزية الغائبة عن الرحلة.
وقالت بهدوء
غالباً كان حد باعتاه.
هنا فهمنا.
إن فوزية ما اكتفتش بإخفاء الحقيقة.
دي كانت متأكدة إن حسن موجود.
ومع ذلك قررت تسيبه بعيد.
سنين طويلة.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت بعدها بدقائق.
لما حسن قام من مكانه.
وفتح صندوق خشب قديم.
وقال
فيه حاجة غريبة محتفظ بيها من زمان.
أخرج صورة قديمة جداً.
فيها الحاج مدبولي. ..
ومعه شخص آخر.
أول ما شفت الصورة شهقت.
وكريم اتجمد مكانه.
لأن الشخص الواقف جنب الحاج مدبولي…
كان عبد الحميد الصاوي.
أبويا.
لكن خلف الصورة كان مكتوب بخط قديم
إلى شريكي وأخي عبد الحميد… إذا حدث لي شيء، فأمانة التجارة كلها بين يديك.
وهنا أدركنا أن القصة اللي عرفناها لحد دلوقتي كانت مجرد نصف الحقيقة…
وأن هناك سرًا أخيرًا أخفاه الحاج مدبولي قبل موته، سر يمكن أن يقلب حياة الجميع رأساً على عقب.
فضلت ماسكة الصورة بإيديا وأنا مش قادرة أبعد عيني عنها.
أبويا واقف جنب الحاج مدبولي، الاتنين بيضحكوا، وكأنهم إخوات بجد مش مجرد شركاء شغل.
أما الجملة المكتوبة ورا الصورة فكانت كفيلة إنها تقلب كل حاجة عرفناها.
إلى شريكي وأخي عبد الحميد… إذا حدث لي شيء، فأمانة التجارة كلها بين يديك.
كريم أخد الصورة مني.
وقرأ الكلام أكتر من مرة.
وبعدين بص لحسن.
الصورة دي جاتلك منين؟
حسن قال
كانت وسط حاجات أمي الله يرحمها.
وعمرها ما قالتلك مين الراجل التاني؟
لا.
أمينة طلبت تشوف الصورة.
وبمجرد ما قريتها، سكتت.
سكتة طويلة خلتنا نستغرب.
قلت لها
حضرتك عرفتي حاجة؟
ردت بعد تردد
أيوة.
كلنا بصينا لها.
قالت
لأن الحقيقة دي أنا سمعتها من زمان أوي… لكن افتكرتها إشاعات.
كريم اتوتر.
حقيقة إيه؟
تنهدت أمينة.
زمان قبل ما عبد الحميد يتجوز أم فريدة، وقبل ما مدبولي يتجوز فوزية، كان فيه مشروع كبير جداً هيبدأوا فيه سوا.
وبعدين؟
وبعدين حصل حريق.
استغربنا.
حريق؟
هزت رأسها.
المخزن الرئيسي اتحرق بالكامل.
حسن قال
وماله؟
قالت
الحريق ده هو اللي غير كل حاجة.
وسكتت لحظة.
ثم أكملت
لأن الناس وقتها قالت إن الحريق كان متعمد.
كريم عقد حاجبيه.
مين عمله؟
أمينة قالت
محدش عرف.
لكن الاتنين خسروا تقريباً كل حاجة.
هنا افتكرت حاجة.
قلت
بابا عمره ما كان بيحب يتكلم عن الفترة دي.
أمينة بصتلي.
لأنه كان موجوع منها.
كريم قال
وأبويا؟
كان موجوع أكتر.
حسن سأل
ليه؟
أمينة أخذت نفساً عميقاً.
لأن الحريق مات فيه واحد.
الصمت نزل على المكان.
مين؟
أخو عبد الحميد الصغير.
شهقت.
أنا أول مرة أسمع المعلومة دي.
طول عمري أعرف إن أبويا كان وحيد.
لكن واضح إن الحقيقة غير كده.
أمينة قالت
أخوه كان موجود

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *