حماتي قعدت سبع سنين تعايرني

جوه المخزن يوم الحريق.
وما لحقش يخرج.
نزل الكلام علينا زي الصاعقة.
بدأت أفهم ليه أبويا عمره ما اتكلم عن الماضي.
فيه وجع كان مخبيه.
وجع أكبر من الفلوس.
حسن سأل
وإيه علاقة ده بالسر؟
أمينة قالت
بعد الحريق مباشرة بدأت المشاكل بين الشركاء.
والناس اتفرقت.
وكل واحد قال رواية مختلفة.
كريم قال
يعني ممكن أصل الخلاف كله كان بسبب الحريق؟
بالضبط.
فضلنا نتكلم ساعات.
نجمع تفاصيل من هنا وهناك.
لحد ما حسن افتكر حاجة.
قام وراح ناحية مكتبة قديمة.
وطلع كراسة صغيرة.
وقال
دي مذكرات أمي.
يمكن تساعد.
قعدنا نقلب فيها.
وفي الصفحات الأخيرة لقينا سطور قليلة.
لكنها كانت مهمة جداً.
مدبولي لا ينام منذ الحريق. كل ليلة يردد اسم عبد الحميد ويبكي.
وفي سطر تاني
يقول إنه أخطأ حين صدق الشخص الخطأ.
كريم رفع رأسه.
الشخص الخطأ؟
حسن قال
مين؟
لكن محدش كان عنده إجابة.
لحد ما لقينا الصفحة اللي بعدها.
وكان فيها اسم.
اسم واحد فقط.
سيد العشري.
الاسم ماكانش معروف بالنسبة ليا.
لكن أمينة اتغير لون وشها.
يا ساتر.
كريم سألها
تعرفيه؟
أيوة.
مين؟
كان مدير الحسابات القديم.
سكتت لحظة.
وهو آخر واحد شاف العقود الأصلية.
هنا بدأنا نحس إن فيه خيط جديد.
رجعنا القاهرة.
وأول حاجة عملناها إننا حاولنا نعرف أي معلومة عن سيد العشري.
بعد بحث وسؤال بين ناس قديمة في العتبة.
عرفنا إنه لسه عايش.
ورجل كبير جداً في السن.
وبيعيش في بيت متواضع في شبرا.
روحنا له تاني يوم.
فتح الباب راجل عجوز تجاوز الثمانين.
أول ما سمع أسماء عبد الحميد ومدبولي، سكت.
وبعدين قال
اتأخرتوا أوي.
دخلنا.
وقعدنا.
وبدأ يحكي.
حكى إن الحريق فعلاً كان متعمد.
لكن اللي عمله مش عبد الحميد.
ولا مدبولي.
كريم سأله
أمال مين؟
العجوز رد
واحد كان عايز يستولى على المشروع كله.
قلوبنا بدأت تدق أسرع.
مين؟
العجوز قال الاسم.
والصدمة شلتنا.
لأن الاسم كان لشخص من داخل العائلة نفسها.
شخص قريب جداً من مدبولي.
شخص مات من سنين.
لكن أفعاله فضلت مدمرة لحد النهارده.
العجوز كمل
بعد الحريق لفّق التهمة لعبد الحميد.
وخلى مدبولي يشك فيه.
سنين طويلة.
لحد ما اكتشف الحقيقة متأخر.
وبعدها؟
بعدها حاول يصلح اللي عمله.
عشان كده كتب الاعترافات والوصية.
وساب حق عبد الحميد يرجع لأصحابه.
هنا بدأت الصورة تكتمل أخيراً.
مدبولي ظلم أبويا.
لكن جزء من الظلم كان مبني على خداع وتلاعب.
مش تبرير للي حصل.
لكن تفسير.
لما خرجنا من عند الراجل العجوز، كان الليل نزل.
كريم وقف في الشارع فترة طويلة.
وبعدين قال
أبوكي وأبويا ضاع عمرهم بسبب كدبة.
بصيت له.
وكان واضح إنه موجوع فعلاً.
مش بس عشاني.
لكن عشان أبوه كمان.
وحسن كان واقف جنبنا.
لأول مرة أشوف الإخوات الاتنين واقفين مع بعض.
كأن القدر أخيراً جمعهم.
بعد أسبوع…
اتجمع أفراد العيلة كلهم.
وكان فيه قرار لازم يتاخد.
فوزية كانت حاضرة.
لكنها كانت مختلفة تماماً عن الست اللي عرفناها.
هادية.
ساكتة.
منكسرة.
أمام الجميع أعلنت إنها هتبيع جزء من أملاكها.
وإن المبلغ بالكامل هيتحول لفريدة كتعويض عن حق والدها.
محدش اتكلم.
ومحدش فرح.
لأن الموضوع كان أكبر من فلوس.
كان عمر كامل ضاع.
وذكريات وتشويه سمعة ووجع سنين.
لكن كانت خطوة ضرورية.
وبعد شهور قليلة بدأت الإجراءات القانونية تخلص.
والحق رجع بشكل رسمي.
وفي يوم هادئ…
كنت قاعدة في البلكونة شايلة نور.
بصيت لبنتي وهي بتضحك.
وافتكرت كل كلمة اتقالتلي.
كل مرة اتعايرت فيها.
كل دمعة نزلت مني في السر.
وفجأة حسيت براحة غريبة.
مش عشان الفلوس رجعت.
لكن عشان الحقيقة ظهرت.
واسم أبويا رجع نضيف قدام الناس.
وفي نفس اللحظة رن تليفوني.
كان حسن.
صوتُه كان فيه فرحة.
قال
فريدة… عندي خبر هيعجبك.
ابتسمت.
خير؟
قال
وأنا برتب أوراق أبويا القديمة… لقيت حاجة أخيرة.
حاجة تخص عبد الحميد الصاوي.
سكت لحظة.
ثم قال
وأظن إنها هتخليكي تعرفي إن أبوكي كان مخطط لمستقبل مختلف تماماً ليكي قبل ما يموت…
قلبي دق بسرعة أول ما حسن قال
لقيت حاجة تخص عبد الحميد الصاوي.
قمت من مكاني فوراً.
إيه هي؟
قال
مش هعرف أشرحها في التليفون… لازم تيجي.
قفلت المكالمة وأنا مشغولة بالتفكير.
بعد كل اللي اكتشفناه، كنت فاكرة إن مفيش أسرار تاني.
لكن واضح إن الماضي لسه مخبي حاجات.
في اليوم التالي، أنا وكريم رحنا عند حسن.
استقبلنا بابتسامة.
ومن غير مقدمات طلع صندوق خشب صغير.
كان أقدم من كل الأوراق اللي شفناها قبل كده.
وقال
الصندوق ده كان عند أبويا.
ولقيته ورا دولاب قديم.
فتحه بهدوء.
طلع منه ظرف كبير.
مكتوب عليه بخط واضح
لفريدة ابنة عبد الحميد… إذا وصلت إليها هذه الرسالة يوماً.
إيديا بدأت ترتعش.
أنا عمري ما شفت خط أبويا غير في كام ورقة قديمة.
لكن أول ما شفته عرفته.
كان خطه.
من غير شك.
دموعي نزلت قبل حتى ما أفتح الرسالة.
كريم حط إيده على كتفي.
وقال بهدوء
افتحي.
فتحت الظرف.
وكان جواه أكتر من ورقة.
أول ورقة كانت رسالة.
بدأت أقرأ
يا فريدة… لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا غالباً مش موجود في الدنيا.
وقفت لحظة.
وحاولت أتمالك نفسي.
ثم أكملت.
أنا عارف إنك صغيرة ومش هتفهمي حاجات كتير دلوقتي، لكن يمكن في يوم تكبري وتعرفي الحقيقة.
كل كلمة كانت بتوجعني وتريحني في نفس الوقت.
كأنه بيكلمني بعد السنين دي كلها.
أنا عمري ما كنت غني بالشكل اللي الناس تتخيله، ولا فقير بالشكل اللي الناس فاكراه. لكن أغلى حاجة كنت أملكها هي سمعتي.
بكيت.
لأن دي كانت الحقيقة.
أبويا كان طول عمره يهتم بكرامته أكتر من أي حاجة.
كملت القراءة.
لو حد ظلمك في يوم، متخليش الظلم يغير قلبك. ولو حد أخد حقك، دوري عليه، لكن من غير كراهية.
سكت.
كل اللي حصل في السنين الأخيرة مر قدام عيني.
إهانات فوزية.
الوجع.
القهر.
ثم الحقيقة.
وكأن أبويا كان شايف كل ده قبل ما يحصل.
في آخر الرسالة كتب
أنا واثق إن ربنا عمره ما بيضيع حق حد. ويمكن الحق يتأخر… لكنه بيرجع.
ماقدرتش أكمل.
بكيت بصوت عالي لأول مرة من سنين.
مش حزن.
لكن اشتياق.
اشتياق لبابا.
للإنسان الوحيد اللي كان ممكن يطمني بكلمة.
بعد ما هديت شوية.
قال حسن
في حاجة تانية.
طلع ملف صغير.
وقال
ده عقد.
استغربنا.
عقد إيه؟
فتحناه.
وكان عقد تأسيس مشروع جديد.
التاريخ كان قبل وفاة أبويا بشهور.
المفاجأة إن الشركاء فيه كانوا
عبد الحميد الصاوي.
ومدبولي أحمد مدبولي.
بصيت لكريم.
وبصلي.
إحنا الاتنين فهمنا في نفس اللحظة.
أبويا ومدبولي كانوا بيحاولوا يصلحوا علاقتهم قبل الوفاة.
كانوا بالفعل بدأوا صفحة جديدة.
لكن القدر ما اداهمش الفرصة.
في الملف كمان كان فيه خطاب صغير من مدبولي لعبد الحميد.
مكتوب فيه
خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد. إحنا ضيعنا سنين كفاية.
قفلت الورق.
وحسيت إن الحمل اللي كان فوق قلبي بدأ يخف.
لأول مرة فهمت الصورة كاملة.
الحقيقة ما كانتش أبيض وأسود.
ما كانش فيه ملاك كامل ولا شيطان كامل.
كان فيه ناس أخطأت.
وناس اتظلمت.
وناس ندمت.
وناس دفعت ثمن أخطاء غيرها.
لكن في النهاية الحقيقة ظهرت.
مرت الشهور.
والأيام بدأت تهدى.
حسن بقى جزء من حياتنا.
وأولاده بقوا يزورونا باستمرار.
نور تعلقت بيهم بسرعة.
وكريم أخيراً حس إنه عنده أخ.
العلاقة بينهم كانت بتقوى يوم بعد يوم.
أما الحاجة فوزية…
فاتغيرت.
يمكن لأول مرة في حياتها واجهت نفسها.
بطلت تتدخل في كل حاجة.
بطلت تعاير حد.
بطلت تتكلم عن الماضي.
وفي يوم جت تزورني.
كنت لوحدي في البيت.
دخلت وقعدت.
وسكتت شوية.
ثم قالت
فريدة.
بصيت لها.
قالت
أنا عارفة إن كلمة آسفة قليلة.
ما رديتش.
فكملت.
وعارفة إنك مستحيل تنسي اللي حصل.
سكتت لحظة.
ثم قالت
لكن كان لازم أقولها.
نزلت دمعة من عينها.
سامحيني لو تقدري.
بصيت لها طويلاً.
افتكرت كل حاجة.
كل الإهانات.
كل الدموع.
كل الليالي اللي نمت فيها مكسورة.
لكن افتكرت كمان رسالة أبويا.
دوري على حقك… لكن من غير كراهية.
وقتها فهمت قصده.
المسامحة مش معناها إن اللي حصل كان عادي.
ولا معناها إن الوجع اختفى.
لكن معناها إني مش هفضل سجينة الماضي.
قلت بهدوء
أنا عمري ما هنسى.
هزت رأسها.
كأنها كانت متوقعة الإجابة.
لكن أكملت
بس مش هعيش أكرهك.
وبكت.
لأول مرة أشوفها بتبكي بالشكل ده.
بكاء إنسان أدرك حجم أخطائه.
بعد سنة كاملة.
احتفلنا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *