انت السبب في ان الناس كلها تبص علينا

زمان.
وقفلت الباب وراها.
وأول ما سمعت صوت العربية وهي بتمشي…
جريت ناحية الجراج.
مشيت بسرعة كأني متبرمج.
كل كلمة قالتها كانت بتشدني لتحت.
نزلت السلم.
فتحت الباب الحديد.
ودخلت.
الجراج كان عادي جدًا.
العربية بتاعتي واقفة.
شوية رفوف.
صناديق قديمة.
ولا أي حاجة غريبة.
لكن دلوقتي…
بقيت ببص لكل متر فيه بشكل مختلف.
كأني أول مرة أشوفه.
جبت كشاف صغير.
وقعدت أتفحص الأرض.
الإسمنت كان قديم فعلًا.
لكن في جزء معين لفت انتباهي.
مربع تقريبًا متر في متر.
لونه مختلف بسيط.
فرق ما يبانش إلا لو حد مركز جدًا.
قلبي بدأ يدق.
ركعت على الأرض.
ولمست المكان بإيدي.
نفس اللحظة…
سمعت صوت خبط خفيف.
اتجمدت.
الخبط اتكرر.
بصيت حوالي.
مفيش حد.
الخبط جه تاني.
لكن المرة دي فهمت مصدره.
الصوت جاي من جوة الحيطة الخلفية.
مش من الأرض.
قربت بحذر.
وحطيت ودني على الحيطة.
الخبط وقف.
لكن بعد ثواني…
سمعت حاجة تانية.
صوت ضعيف جدًا.
كأنه احتكاك معدن بمعدن.
رجعت خطوتين.
وأول مرة من بداية اليوم…
حسيت بخوف حقيقي.
لأن الجراج كان فاضي.
ومافيش أي سبب يخلي فيه صوت جاي من جوة الحيطة.
لكن قبل ما أتحرك…
وقعت عيني على شيء صغير بين الرف والحائط.
ورقة قديمة متربة.
واضح إنها كانت مستخبية من سنين.
انحنيت وخدتها.
ونفضت التراب عنها.
ولما فتحتها…
حسيت قلبي وقف.
لأن أول سطر فيها كان مكتوب بخط أعرفه كويس جدًا.
خط أبويا.
وتحته جملة واحدة فقط
لو كريم هو اللي لقى الورقة دي… يبقى الوقت أخيرًا جه يعرف الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسك الورقة.
فضلت أبص على الخط أكتر من مرة.
خط أبويا فعلًا.
أنا ما شفتش منه حاجات كتير بعد وفاته، لكن كان فيه دفتر قديم عندي محتفظ بيه من أيام المدرسة، وكان بيكتبلي فيه ملاحظات صغيرة.
نفس طريقة كتابة حرف الكاف.
ونفس ميل الحروف.
مفيش شك.
قعدت على الأرض جنب الحيطة وأنا بحاول أستوعب.
إزاي ورقة من أبويا تظهر دلوقتي؟
وإزاي تكون مستخبية في الجراج طول السنين دي؟
كملت قراءة.
كان فيه سطرين تحت الجملة الأولى
لو وصلت للورقة دي، متصدقش أي حد مهما كان قريب منك. الحقيقة أكبر من اللي متخيله.
بلعت ريقي.
وقلبت الورقة.
كان فيه سهم مرسوم ناحية اليمين.
وتحته كلمة واحدة
المخزن.
المخزن؟
أنا عندي أوضة صغيرة في آخر الجراج كنت مخزن فيها أدوات قديمة وكراكيب.
قمت بسرعة.
وفتحت باب المخزن.
ريحة التراب والخشب القديم ضربت في وشي.
الكشاف كان بينور بصعوبة.
بصيت حوالي.
كل حاجة شكلها طبيعي.
رفوف.
كراتين.
علب دهان قديمة.
لكن عيني وقفت عند صندوق خشب قديم مرمي في الركن.
الصندوق كان مكسور من الجنب.
وفجأة افتكرت كلام أمي.
لقيت صندوق خشب مكسور.
قربت منه ببطء.
وركعت قدامه.
كان فاضي.
لكن جوة الغطا من الداخل كان فيه شيء محفور بسكينة أو آلة حادة.
نضفت التراب بإيدي.
وظهرت الكلمات
مش كل اللي اختفى اتسرق.
اتجمدت.
الجملة غريبة.
لكن معناها واضح.
الفلوس اللي الناس قالت إنها اتسرقت…
يمكن ما اتسرقتش أصلًا.
يمكن اختفت لسبب تاني.
قعدت أفكر.
وفجأة رن موبايلي.
كانت منى.
سيبت الرنة الأولى.
لكنها اتصلت تاني.
رديت بعصبية
خير؟
قالت بسرعة
إنت فين؟
في بيتي.
أمي تعبانة.
سكت لحظة.
مالها؟
ضغطها علي فجأة.
غمضت عيني.
مهما حصل بينا فهي أمي في الآخر.
قلت
أنا جاي.
بعد نص ساعة كنت في بيتهم.
لقيت أمي نايمة على الكنبة والدكتور لسه خارج.
قال إن الموضوع إرهاق وتوتر.
لما شافتني دخلت.
عرفت من نظرتها إنها فهمت إني ما سمعتش كلامها.
قالت بهدوء
نزلت الجراج.
ماكانش سؤال.
كان تأكيد.
قلت
آه.
سكتت.
وبعدين قالت
لقيت حاجة؟
اترددت.
لكن في الآخر وريتها الورقة.
وشها فقد لونه.
لدرجة خوفت عليها فعلًا.
خدت الورقة بإيديها المرتعشة.
وقعدت تبص عليها.
بعدها بلحظات بدأت دموعها تنزل.
أول مرة أشوف أمي بتعيط بالشكل ده من سنين طويلة.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها بالنفي.
والله ما شفتها قبل كده.
قعدت جنبها.
وسألت
أبويا كان مخبي إيه؟
قالت بصوت مكسور
أبوك كان راجل شريف يا كريم.
أنا بسأل عن الحقيقة.
قالت
ودي الحقيقة.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
في يوم من الأيام أبوك رجع البيت مضروب.
اتفاجئت.
مضروب؟
آه.
مين ضربه؟
ماقاليش.
لكن قال إن فيه ناس عايزة تحمله ذنب حاجة ماعملهاش.
بدأت الصورة تتجمع بشكل بطيء.
فيه فلوس اختفت.
فيه اتهام.
فيه تهديدات.
وفيه صندوق.
لكن لسه فيه أجزاء ناقصة.
قلت
اسم الشريك اللي الفلوس اختفت منه كان إيه؟
أمي رفعت عينيها.
وقالت
فوزي السيوفي.
الاسم كان غريب عليّ.
لكن أحمد اللي كان واقف سكت فجأة.
لاحظت ده فورًا.
بصيتله.
إيه؟
قال بسرعة
ولا حاجة.
لكن طريقته كانت مفضوحه.
قمت من مكاني.
إنت تعرف الاسم ده؟
قال بتوتر
لا.
كذب.
واضح جدًا.
منى هي كمان لاحظت.
وقالت
أحمد؟
فضل ساكت.
ضغطت عليه
اتكلم.
تنهد.
وبعدين قال
فوزي السيوفي يبقى جدي.
الصالة كلها سكتت.
أنا حسيت كأن حد ضربني في صدري.
إيه؟
قال
جدي من ناحية أمي.
بصيت لأمي.
لقيتها شاحبة.
واضح إنها هي نفسها ماكنتش تعرف.
أحمد كمل
بس جدي مات من سنين طويلة.
أنا بقيت مش فاهم حاجة.
يعني جوز أختي حفيد الراجل اللي اتهم أبويا؟
صدفة؟
ولا فيه حاجة أكبر؟
قلت
وأنت عرفت منين القصة؟
قال
كنت بسمع كلام قديم وأنا صغير.
إيه اللي كنت بتسمعه؟
سكت.
وبعدين قال
إن جدي مات وهو مقتنع إن الفلوس ما اتسرقتش.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
قال
كان بيقول دايمًا إن حد لفّق التهمة لواحد بريء.
قلبي دق بقوة.
ويقصد أبويا؟
هز رأسه.
غالبًا.
لأول مرة من بداية الأحداث…
بصيص أمل دخل قلبي.
يمكن أبويا فعلًا كان ضحية.
يمكن السنين كلها ظلمته.
لكن السؤال الأهم
مين المستفيد الحقيقي؟
رجعت البيت متأخر.
وقعدت قدام الورقة والصندوق.
وبدأت أراجع كل تفصيلة.
وفجأة افتكرت الصوت اللي سمعته في الحيطة.
قمت فورًا.
ونزلت الجراج تاني.
قربت من نفس الحيطة.
وحطيت ودني عليها.
الصمت.
لكن بعد دقيقة تقريبًا…
سمعت نفس الاحتكاك المعدني.
المرة دي أوضح.
مش وهم.
فيه حاجة فعلًا.
جبت شاكوش صغير من صندوق الأدوات.
وبدأت أخبط بخفة على الحيطة.
أغلب الأجزاء كانت مصمتة.
لكن في نقطة معينة…
الصوت اختلف.
كان أجوف.
زي ما يكون وراها فراغ.
وقفت مكاني.
أنفاسي بقت أسرع.
ضربت مرة تانية.
نفس الصوت.
فيه تجويف.
فيه مساحة مستخبية جوة الحيطة.
فضلت أبص للمكان.
عقلي بيقولي استنى.
لكن فضولي كان أقوى.
جبت مفك حديد.
وبدأت أفك طبقة خشب رفيعة كانت متثبتة فوق الجزء ده.
واضح إنها قديمة جدًا.
وبعد شوية مجهود…
الخشب اتحرك.
وظهر وراه باب معدني صغير.
باب ما شفتوش قبل كده في حياتي.
ولا مرة.
ولا حتى وأنا بنضف المكان.
كان مدهون بنفس لون الحيطة تقريبًا.
عشان يستخبى.
إيدي بدأت ترتعش.
لقيت قفل قديم صدئ.
لكن الغريب…
إن القفل كان مفتوح.
مش مقفول.
كأن آخر شخص استخدمه كان عايز حد يوصله.
بصيت حوالي.
الجراج كله ساكت.
الساعة قربت على اتناشر بالليل.
فتحت الباب المعدني ببطء.
وصرير خفيف طلع منه.
ولما نورت الكشاف جوه…
اتجمدت في مكاني.
لأن التجويف كان فيه حاجة واحدة بس.
ملف بني قديم.
وعليه بخط أبويا
لا يفتح إلا بواسطة كريم.
وفي اللحظة اللي مديت فيها إيدي للملف…
سمعت صوت باب الجراج بيتفتح فجأة من فوق.
وبعده خطوات سريعة نازلة السلم.
خطوات شخص دخل البيت من غير ما يرن الجرس.
وشخص واضح إنه عارف المكان كويس جدًا.
أول ما سمعت الخطوات نازلة على السلم، قلبي دق بعنف.
قفلت الباب المعدني بسرعة وخبيت الملف ورا ضهري.
الخطوات كانت بتقرب.
واحدة…
ورا التانية…
لحد ما ظهر صاحبها عند باب الجراج.
ولما نور الكشاف جه على وشه…
اتفاجئت.
عماد؟
عماد كان صاحب أبويا القديم.
راجل في أواخر الستينات، أعرفه من زمان.
كان بيزورنا أوقات قليلة بعد وفاة أبويا، وبعدها اختفى من حياتنا تقريبًا.
وقف يبصلي كأنه كان متوقع يشوفني.
وقال
عرفت إنك وصلت للمكان.
اتجمدت.
إنت بتقول إيه؟
بص ناحية الحيطة المفتوحة.
وبعدين رجع بصلي.
يبقى لقيت الملف.
مسكت الملف بقوة.
إنت تعرف عنه إيه؟
تنهد وقعد على كرسي قديم جنب الباب.
وقال
أكتر مما تتخيل.
أنا ما ارتحتش.
لكن فضولي كان أقوى.
قلت
اتكلم.
قال
أبوك طلب مني حاجة قبل ما يموت.
سكت لحظة.
طلب مني أفضل ساكت.
وليه جاي دلوقتي؟
رد
عشان الوقت خلص.
قربت منه.
يعني إيه الوقت خلص؟
رفع عينيه ناحيتي.
وقال
الناس اللي كانت ورا القصة دي كلها مات معظمها.
الصمت سيطر على المكان.
وبعدين كمل
وأبوك كان عارف إن الحقيقة هتظهر يوم من الأيام.
بصيت للملف.
وقلت
إيه اللي جواه؟
قال
افتحه.
فتحت الملف بحذر.
لقيت مستندات قديمة.
صور.
إيصالات.
وجواب طويل مكتوب بخط أبويا.
بدأت أقرأ.
يا كريم…
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى ربنا كتب لك تعرف الحقيقة اللي حاولت أحميك منها طول عمري.
أنفاسي بدأت تتسارع.
كملت.
أنا ما سرقتش أي فلوس.
حسيت دموعي قربت تنزل.
أبويا كان عارف إن اليوم ده هييجي.
وكان عارف إني هقرا كلامه.
كملت القراءة.
واتضح إن الشريك اللي اختفت فلوسه، فوزي السيوفي، ما اتعرضش لسرقة أصلًا.
المبلغ كان متحول

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *