انت السبب في ان الناس كلها تبص علينا

إنت السبب في إن الناس كلها بقت تبص علينا!
أمي صرخت في وشي، وصوتها هز الصالة كلها كأنه انفجار. ماكنتش بتكلمني كابنها… كانت بتحاكمني.
لم هدومك يا كريم… حالًا.
وقفت مكاني مش مستوعب اللي بسمعه.
وراها كانت أختي منى حاضنة ابنها الصغير، وعينيها فيها نظرة انتصار غريبة. جنبها جوزها أحمد واقف وساكت، لكن الابتسامة اللي على وشه كانت كفاية تخليني أفهم إنه جاي يكسب معركة، مش يزورني.
والأغرب…
إن وراهم كان فيه تلاتة عمال نقل واقفين عند الباب.
وعربية نقل ضخمة راكنة قدام البيت، بابها الخلفي مفتوح.
كأنهم جايين يستلموا شقة اشتروها بالفعل.
بصيت حواليّ وأنا حاسس إن الأرض بتميل بيا.
حد يفهمني… إيه اللي بيحصل هنا؟
أمي زفرت بضيق، ودخلت المطبخ من غير حتى ما تستنى إذني، كأنها صاحبة المكان.
وقالت ببرود مستفز
منى محتاجة البيت. إيجار شقتها خلص، والولد كبر وبقى محتاج أوضة لوحده. وإنت قاعد هنا لوحدك في تلات أوض. يبقى الطبيعي إنك تسيب البيت لأختك.
رمشت كذا مرة.
يمكن أكون فهمت غلط.
يمكن دي نكتة سخيفة.
لكن ملامحهم كانت جدية بشكل مخيف.
أسيب البيت؟
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
إنتوا بتتكلموا بجد؟
منى اتكلمت أخيرًا
يا كريم إحنا أهل… ومش معقول تسيبنا في الشارع.
في الشارع؟
كررتها وأنا ببصلها.
أنا اللي هبقى في الشارع يا منى! البيت ده بيتي!
قلبي كان بيدق بعنف.
كل ركن في البيت ده كنت فاكره.
سنين الشغل اللي كنت برجع بعدها منهك.
الساعات الإضافية.
الأجازات اللي ماخدتهاش.
الفلوس اللي حرمت نفسي من حاجات كتير عشان أجمعها.
المقدم دفعته من تعبي.
الأقساط باسمي.
العقد باسمي.
والمفتاح في جيبي.
ومع ذلك…
كانوا واقفين قدامي بيتصرفوا كأن وجودي نفسه مجرد عقبة مؤقتة.
أحمد قرب مني وقال بنبرة متعالية
بص يا كريم… بلاش تعقد الدنيا. إحنا لغينا عقد الشقة القديمة بناءً على كلام والدتك. دلوقتي معندناش مكان. اقعد في فندق كام أسبوع أو شوفلك إيجار لحد ما الأمور تستقر.
في اللحظة دي…
كل حاجة وضحت.
دي ما كانتش فكرة
طلعوا بيها النهارده.
دي خطة.
خطة كاملة.
اتعملت من ورا ضهري.
وأمي وعدتهم ببيتي…
من غير ما حد حتى يفكر ياخد رأيي.
كأن تعبي وملكيتي ووجودي نفسه مالوش أي قيمة.
حسيت حاجة جوايا بتتكسر.
الحزن اتحول لغضب.
والغضب اتحول لبرود مخيف.
بصيت لأمي مباشرة.
وقلت بهدوء أخطر من الصريخ
يبقى تبطلي تعملي خطط في حاجة مش ملكك أصلاً.
الصالة كلها سكتت.
كملت وأنا مشيلش عيني من عينيها
الناس دي تطلع برة بيتي حالًا. ولو بعد خمس دقايق لقيت حد فيهم هنا… هكلم الشرطة.
ملامح أمي اتغيرت فجأة.
الغضب اختفى.
وحل مكانه شيء أخطر.
شيء خلاني أحس بقشعريرة في ضهري.
رفعت صباعها ناحيتي وقالت بصوت واطي مرتعش
إوعى تعملها يا كريم.
بلعت ريقي.
ليه؟
سكتت لحظة.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت أطول ثانية عدت عليا في حياتي.
وبعدين قالت
لأن لو الشرطة دخلت البيت… هقولهم على اللي مدفون تحت أرضية الجراج.
اتجمدت.
حرفيًا.
كل الأصوات حواليا اختفت.
حتى نفسي حسيت إنه وقف.
إيه؟
خرجت مني بالكاد.
أمي ثبتت عينيها في عيني.
وقالت
ومتقولش إنك مش فاهم أنا بتكلم عن إيه.
حسيت الدم انسحب من وشي.
الجراج؟
إيه اللي ممكن يكون مدفون هناك؟
أنا اشتريت البيت من خمس سنين.
وعمري ما حفرت فيه.
وعمري ما شفت حاجة غريبة.
لكن الطريقة اللي كانت بتبصلي بيها…
خلتني أشك في كل حاجة.
هل أمي بتهددني بكذبة؟
ولا فيه سر حقيقي متخبي تحت البيت؟
سر قديم لدرجة إنه قادر يخليها تراهن على بيت كامل وهي واثقة إني هسكت؟
في اللحظة دي…
الخناقة ما بقتش مجرد خلاف على بيت.
وما بقتش مجرد طمع أو مشاكل عائلية.
في اللحظة دي…
حسيت إن البيت اللي عشت فيه سنين، واللي كنت فاكره أكتر مكان أعرفه في الدنيا…
ممكن يكون مخبي تحت أرضه حقيقة مرعبة.
حقيقة لو ظهرت للنور…
مش هتدمر عيلتي بس.
ممكن تدمر حياتي كلها.
فضلت واقف مكاني كأني اتجمدت.
الكلمة الأخيرة اللي قالتها أمي كانت لسه بتتردد في وداني
اللي مدفون تحت أرضية الجراج.
بصيت لها ثواني طويلة.
وبعدين قلت بهدوء
إنتِ بتخرفي.
لكن جوايا ماكنتش واثق من الكلمة.
لأن أمي ما كانتش من النوع اللي يرمي كلام وخلاص.
خصوصًا وهي شايفة نفسها خسرانة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لو شايف إني بخرف… اتصل بالشرطة.
الصالة كلها غرقت في صمت ثقيل.
منى بدأت تتوتر.
واضح إنها ما كانتش تعرف أمي هتقول كده.
حتى أحمد نفسه اتحرك من مكانه وبص لأمي باستغراب.
وده كان أول دليل عندي إن التهديد ده مش جزء من الخطة الأصلية.
أنا خدت نفس عميق.
وبعدين طلعت موبايلي.
أمي شحبت.
لكنها حاولت تخبي ده.
قلت
تمام.
منى صرخت
كريم استنى!
بصيت لها.
قالت بسرعة
إحنا مش جايين نتخانق.
ضحكت بسخرية.
لا؟
وأشرت للعمال الواقفين عند الباب.
أمال دول فرقة موسيقية؟
محدش رد.
أنا ضغطت زر الاتصال.
وفجأة…
أمي جريت ناحيتي وخطفت الموبايل من إيدي.
كلنا اتفاجئنا.
أنا نفسي اتصدمت.
لأن أمي طول عمرها قوية.
لكن عمرها ما فقدت أعصابها بالشكل ده.
صرخت
إنت مجنون؟!
قلت
يبقى فيه حاجة فعلاً.
سكتت.
وده كان أكبر اعتراف ممكن تاخده منها.
في اللحظة دي عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد شقة.
وأكبر من طمع.
فيه حاجة مستخبية.
حاجة هي خايفة منها.
قعدت على الكنبة قدامي وهي بتحاول تهدى نفسها.
وبعدين قالت
العمال يمشوا الأول.
أحمد اعترض
يا طنط…
فبصتله نظرة خلت الكلام يموت في بقه.
بعد عشر دقايق.
العمال مشيوا.
والعربية اتحركت.
وبقينا إحنا الأربعة بس.
أنا.
أمي.
منى.
وأحمد.
قعدت قصادهم.
وقلت
اتكلمي.
أمي فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
قبل ما تشتري البيت بخمس سنين تقريبًا… كان ملك واحد اسمه عم جلال.
الاسم كان مألوف.
أنا فاكر الراجل اللي اشتريت منه.
كان كبير في السن.
وباع البيت عن طريق ابنه.
قلت
وبعدين؟
قالت
عم جلال كان صاحب أبوك.
رفعت حاجبي.
وأنا مالي؟
قالت
أبوك كان بيروح البيت ده كتير.
قلبي دق.
أبويا مات وأنا عندي اتناشر سنة.
وحياتي كلها تقريبًا بعد موته كانت عبارة عن شوية ذكريات مبعثرة.
قلت
كملي.
تنهدت.
وقالت
قبل ما أبوك يموت بشهرين… حصلت مشكلة كبيرة.
الصالة بقت هادية بشكل مخيف.
حتى ابن منى كان نايم جوة الأوضة ومفيش أي صوت.
قالت
كان فيه مبلغ فلوس كبير اختفى.
قلت
فلوس مين؟
قالت
شريك عم جلال.
سكتت لحظة.
والناس كلها وقتها اتهمت أبوك.
حسيت بصدمة.
إيه؟
أمي نزلت عينيها للأرض.
لكن محدش قدر يثبت حاجة.
أنا اتعصبت.
وأول مرة أعرف ليه؟
قالت بحزن
عشان كنت صغير.
قمت من مكاني.
بدأت ألف في الصالة.
أنا طول عمري فاكر أبويا راجل محترم.
كل الناس كانت بتشهدله.
فجأة أكتشف إن فيه اتهام قديم بالسرقة؟
حتى لو كان اتهام كاذب.
ليه محدش قالي؟
سألتها
والجراج علاقته بإيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
قبل ما أبوك يموت بأسبوع… رجع البيت متوتر جدًا.
بدأت أنفاسي تزيد.
وقال إيه؟
قالت
قالي لو حصله حاجة… محدش يقرب من الجراج.
بصيت لها بعدم تصديق.
إنتِ بتهزري؟
هزت رأسها.
والله.
وليه مقولتليش طول السنين دي؟
عشان بعد موته… الحياة أخدتنا.
أنا ما اقتنعتش.
فيه حاجة ناقصة.
واضحة جدًا.
قلت
إنتِ لسه مخبية.
سكتت.
عرفت إني صح.
كررت
قولي الباقي.
رفعت عينيها ناحيتي.
ولأول مرة من بداية اليوم…
شفت خوف حقيقي.
مش غضب.
مش عناد.
خوف.
وقالت
بعد موته بثلاث شهور… نزلت الجراج.
الدم جرى أسرع في عروقي.
ولقيت إيه؟
بلعت ريقها.
لقيت الأرض محفورة.
الصمت رجع تاني.
قالت
حفرة كبيرة.
وفاضية.
بس كان فيها صندوق خشب مكسور.
وقفت مكاني.
صندوق؟
هزت رأسها.
آه.
وفيه ورقة.
مكتوب فيها إني لو بحب أولادي أنسى اللي شفته.
أنا حاسس إن عقلي بدأ يلف.
قلت
الورقة فين؟
قالت
حرقتها.
إيه؟!
خفت.
بدأ غضبي يزيد.
كل إجابة بتولد عشر أسئلة.
وأمي بدل ما توضح الحقيقة كانت بتعقدها.
قلت
إنتِ عايزة مني أصدق إن أبويا خبّى حاجة في الجراج ومحدش يعرف هي إيه؟
قالت
أنا بقول اللي حصل.
هنا أحمد اتدخل لأول مرة.
قال
يمكن تكون فلوس.
بصيتله.
ومين طلب رأيك؟
سكت.
لكن الحقيقة إن كلامه دخل دماغي.
فلوس؟
مستندات؟
حاجة تخص السرقة القديمة؟
مش عارف.
لكن اللي أعرفه إني لازم أعرف الحقيقة.
قلت لأمي
وليه استخدمتي الموضوع ده دلوقتي؟
بصتلي.
وبعدين قالت
عشان لو الشرطة دخلت وفتشت… الموضوع كله هيتفتح من جديد.
ضحكت بمرارة.
بعد أكتر من عشرين سنة؟
قالت
في أسرار عمرها ما بتموت.
الكلمة دي فضلت معلقة في دماغي.
في أسرار عمرها ما بتموت.
بعد نص ساعة تقريبًا.
أمي ومنى وأحمد مشيوا.
قبل ما يخرجوا.
أمي وقفت عند الباب.
وقالت
ابعد عن الجراج يا كريم.
قلت
متقلقيش.
هزت رأسها.
أنا قلقت من
لمحة نيوز



