اعلنوا وقت الوفاه

«أعلنوا وقت الوفاة…» لكن طفلًا مشرّدًا اقتحم غرفة الطوارئ، وبعد أقل من دقيقة حدث ما لم يصدقه أحد!
ساد الصمت داخل غرفة الطوارئ.

تراجعت أيدي الأطباء عن جسد الرضيع الصغير، وانخفضت رؤوس الممرضات في استسلام، بينما توقفت أجهزة المراقبة عن إطلاق أي إشارة تمنح الأمل.

كان كل من في الغرفة مقتنعًا بأن المعركة انتهت.

وقف رجل أنيق في منتصف الأربعينيات مستندًا إلى الجدار، وقد غطى وجهه بكفيه وهو يرتجف من شدة الصدمة.

كان اسمه سليمان الفارس، أحد أشهر رجال الأعمال، ورجلًا اعتاد أن يحل المال كل أزماته… لكنه وقف عاجزًا لأول مرة أمام ابنه ذي الثمانية أشهر.

وقبل أن ينطق كبير

الأطباء بكلمة الوفاة…
اندفع طفل نحيل عبر باب الغرفة.

لم يكن أحد يعرفه.

قميصه الرمادي ممزق، وحذاؤه مغطى بالغبار، وعلى ظهره حقيبة صغيرة بالكاد تحمل شيئًا.

لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، لكنه دخل بخطوات ثابتة وكأنه يعرف إلى أين يتجه.

كان اسمه كريم.

طفل يعيش بلا مأوى منذ ثمانية أشهر، يتنقل بين دار رعاية تغلق أبوابها مع حلول الليل، ومساحة ضيقة أسفل جسر إسمنتي قديم.

كل ما يملكه في الدنيا كان ثلاثة أشياء داخل حقيبته…

صورة قديمة لوالدته، وزوج من الجوارب، وكتابًا طبيًا مهترئًا عن جسم الإنسان.

ذلك الكتاب لم يفارقه يومًا.

قرأه عشرات المرات، حتى تمزقت صفحاته من

كثرة تقليبها.
بدأ شغفه بالطب وهو في السادسة من عمره، عندما توقفت شقيقته الصغيرة عن التنفس بسبب حساسية حادة، وشاهد أحد المسعفين يعيدها إلى الحياة أمام عينيه.

منذ تلك اللحظة، أصبح يحلم بأن يفهم الجسد البشري، وأن يعرف كيف يمكن إنقاذ إنسان قبل فوات الأوان.

ولأنه لم يملك مدرسة ولا منزلًا، صار يتعلم من الكتب القديمة والكتيبات الطبية التي يعثر عليها بين الأشياء المهملة.

وفي صباح ذلك اليوم، بينما كان يجلس قرب حديقة عامة يأكل نصف قطعة من البسكويت، رأى رجلًا يرتدي بذلة فاخرة يركض بجنون وهو يحتضن رضيعًا لا يتحرك.

لم يفكر.

ركض خلفه بكل ما يملك من قوة.

ظل يلاحق سيارة الإسعاف

عبر عدة شوارع حتى وصل إلى المستشفى، ثم تسلل إلى الداخل بين الزوار، واتبع أصوات الصراخ حتى وصل إلى غرفة الطوارئ.
وهناك…

وقعت عيناه على شيء لم يلاحظه أحد.

حركة خفيفة جدًا…

تكاد لا تُرى…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *