اعلنوا وقت الوفاه

في أصابع الرضيع.

اندفع نحو السرير دون أن يطلب إذنًا.

صرخ أحد الأطباء غاضبًا:

— “أوقفوا هذا الصبي!”

لكن كريم لم يتراجع.

حمل الرضيع بحذر، وثبّت رأسه ورقبته، ثم بدأ ينفذ ما حفظه من ذلك الكتاب القديم، بثقة أدهشت كل من في الغرفة.

صرخ طبيب آخر:

— “ماذا تفعل؟!”

فقال كريم بصوت هادئ، لكنه حازم:

— “أرجوكم… امنحوني دقيقة واحدة فقط.”

ساد صمت ثقيل.

مرت ثوانٍ بدت أطول من العمر

كله.
والجميع يراقب الطفل المشرد…

وفجأة…

سعل الرضيع بقوة.

وتبع السعال…

لمحة نيوز
أول صرخة حياة.
شهقت الممرضة، وتراجع الطبيب خطوة إلى الخلف وكأنه رأى معجزة.
امتلأت رئتا الرضيع بالهواء، ثم انطلق في بكاء متقطع، بينما عادت أجهزة المراقبة تصدر صفيرًا متواصلًا معلنة عودة النبض.
ساد الارتباك داخل الغرفة.
أحد الأطباء تمتم بعدم تصديق:
— “إزاي…؟ إحنا تأكدنا إنه فقد كل العلامات الحيوية!”
أما كبير الأطباء، فلم ينطق بكلمة.
كان ينظر إلى كريم فقط.
اقترب منه ببطء، ثم سأل:
— “مين علمك تعمل اللي عملته؟”
خفض كريم رأسه قليلًا، وأخرج من حقيبته ذلك الكتاب الطبي القديم، وقال بابتسامة خجولة:
— “هو… ده كل اللي كان عندي.”
تناول الطبيب الكتاب.
كانت صفحاته ممزقة، وعليها عشرات الملاحظات المكتوبة بقلم رصاص، ورسومات صغيرة لجسم الإنسان، وأماكن الضغط على الصدر، وكيفية فتح مجرى التنفس.
نظر الطبيب إلى كريم طويلًا، ثم قال بصوت مبحوح:
— “الكتاب ده قديم جدًا… وفيه معلومات ناقصة… لكن اللي أنقذ الطفل مش الكتاب… اللي أنقذه إنك لاحظت حاجة إحنا كلنا فاتتنا.”
التفت الجميع نحو أصابع الرضيع.
قال كريم

بهدوء:
— “أول ما دخلت… شفت صباعه الصغير بيتحرك حركة بسيطة جدًا… لو الجسم مات فعلًا… الحركة دي ما كانتش هتحصل.”
ساد الصمت.
ولأول مرة في تاريخ المستشفى…
صفق الأطباء لطفل مشرّد.
أما سليمان الفارس…
فكان يبكي.
اقترب من كريم، ثم ركع أمامه رغم هيبته، وأمسك كتفيه وقال:
— “أنا مدين لك بحياة ابني… اطلب أي حاجة.”
ابتسم كريم ابتسامة بسيطة، وقال:
— “ممكن… آكل؟”
تجمد سليمان.
كانت كل ثروته، وشركاته، وسياراته الفاخرة… لا تساوي أمام تلك الجملة.
خرج الاثنان من المستشفى بعد ساعات.
أخذه سليمان إلى مطعم فاخر.
لكن المفاجأة…
أن كريم لم يطلب لنفسه إلا طبقًا صغيرًا.
ثم طلب خمس علب إضافية.
تعجب سليمان وسأله:
— “هتاكل كل ده؟”
هز كريم رأسه.
وقال:
— “فيه خمسة أطفال بيناموا معايا تحت الكوبري… لو رجعت لوحدي وأنا شبعان… هحس إني سرقت أكلهم.”
نظر سليمان إليه في ذهول.
وفي تلك الليلة…
أرسل رجالًا للبحث عن الأطفال الخمسة.
وبالفعل وجدوهم.
نقلهم جميعًا إلى دار رعاية محترمة، وتكفل بمصاريفهم كاملة.
أما كريم…
فبدأت الصحف تتحدث عنه باعتباره “الطفل الذي أعاد ميتًا إلى الحياة.”
لكن القصة لم تنتهِ.
بعد أسبوع…
وصل إلى المستشفى رجل مسن، يحمل ظرفًا قديمًا.
قال إنه يبحث عن كريم منذ سنوات.
استغرب الجميع.
فتح الرجل الظرف، وأخرج صورة باهتة.
كانت الصورة لامرأة شابة تحمل طفلًا صغيرًا.
ارتجفت يدا كريم.
همس:
— “دي… ماما.”
قال الرجل:
— “أنا كنت أشتغل مع والدتك. قبل ما تموت، سلمتني جواب وقالت: لو ابني فضل عايش… سلمه الرسالة دي لما يكبر.”
فتح كريم الرسالة وبدأ يقرأ.
“يا كريم…
لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أكمل معاك الطريق.
يمكن الناس تشوفك فقير… لكن أنا شايفة فيك دكتور كبير.
أوعى تسمح لحد يقنعك إن ظروفك هي اللي تحدد مستقبلك.
ولو أنقذت روح واحدة في حياتك…
يبقى أنا كسبت الدنيا.”
انفجر كريم في البكاء.
أما سليمان، فكان يقف خلفه يسمع كل كلمة.
في اليوم التالي مباشرة…
ذهب إلى المحكمة.
وأعلن أمام الجميع أنه سيتكفل بكريم رسميًا، ويمول تعليمه حتى يصبح طبيبًا.
مرت اثنتا عشرة سنة.
وفي افتتاح أكبر مركز لأبحاث الأطفال في البلاد…
وقف شاب يرتدي المعطف الأبيض وسط عشرات الصحفيين.
كان الدكتور كريم.
أصغر استشاري أطفال في المستشفى.
وبجواره وقف رجل تجاوز الخمسين، يبتسم بفخر.
إنه سليمان.
أما المفاجأة الأخيرة…
فكانت عندما دخل شاب في حالة انهيار وهو يحمل طفلته الصغيرة التي توقفت عن التنفس.
تجمد الجميع.
لكن كريم تحرك فورًا.
حمل الطفلة، وبدأ الإسعافات بثقة.
وبعد لحظات…
عادت الصغيرة للحياة وسط دموع والدها.
رفع الرجل رأسه لينظر إلى الطبيب الذي أنقذ ابنته…
ثم شهق بقوة.
كان الرجل هو نفسه سائق سيارة الإسعاف الذي أنقذ شقيقة كريم قبل سنوات، وكان السبب الأول في حبه للطب.
ابتسم كريم وقال له:
— “أنت أنقذت حلم طفل صغير زمان… والنهارده الحلم رجع ينقذ بنتك.”
وقف الجميع يصفق بحرارة، بينما نظر سليمان إلى السماء وهمس:
“سبحان من يجعل الخير الذي تزرعه في لحظة… يعود إليك بعد سنوات على هيئة حياة كاملة.”
وانتهى الحفل، لكن قصة كريم أصبحت تُدرَّس لكل طبيب جديد في المستشفى، ليس لأنها قصة معجزة…
بل لأنها تذكير دائم بأن العلم، والرحمة، والإصرار… قد يغيرون مصير إنسان في دقيقة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *