سافرت 14 ساعه

الناس كلها في المدرجات سكتت تماماً. آلاف العيون كانت مركزة على المكان ده. الضباط، والخريجين، والأهالي، كلهم بيتساءلوا إيه اللي بيحصل؟ ليه اللواء الكبير ترك المنصة وجاء لحد هنا؟ وإيه سر السوار القديم ده؟

أنا كنت واقف مكاني، مش فاهم حاجة. بصيت للسوار اللي في إيدي، وبصيت للسوار اللي في إيده، واتأكدت إنهم متشابهين لأقصى درجة، نفس اللون، نفس النقوش البسيطة، نفس نوع الجلد القديم اللي لونه بقي بني داكن مع مرور السنين.

رفع اللواء عينيه لي، وكانت عينيه مليانة بدموع كاد يخفيها، وقال بصوت واطي، بس واضح وصل للي جنبنا ده مش مجرد سوار يا بني ده كان هدية بيني وبين أخي الوحيد انقسم بيننا قبل ما نفترق من أكتر من 25 سنة.

اتجمدت أطرافي. قلبي دق بقوة، وبدأت ذكريات قديمة جداً تطلع في بالي، ذكريات كنت فاكرها اندثرت مع الزمن، أو إنها مجرد أحلام طفولة.

سألته بصوت متقطع أخوك؟ إزاي؟ أنا معرفش إن لي أخ أنا يتييم، تربيت في دار أيتام، وما عرفتش أهلي أبداً.

هز رأسه، وبدأت ملامحه ترتجف، وقال أنا اسمي اللواء سامي الحسيني. وأخي اسمه سليم كان أصغر مني بسنتين. كنا عايشين في قرية صغيرة في الصعيد، لحد ما جاء فيضان مدمر غمر البلد كلها سنة 1998. كنا بنحاول ننجي، وفجأة انفصلنا عن بعض. كنت في عمر 18 سنة، وهو كان 16 سنة. بحثت عنه في كل مكان، وسألت، ولفت المستشفيات ودور الأيتام، وما لقيتله أي أثر. كل الناس قالوا إنه غرق ومات، بس قلبي ما كان يصدق. وآخر ما كنت أتذكره، إننا كنا لابسين سوارين جلد، عملناهم بإيدينا، وقلنا إنهم علامة إننا إخوة مهما حصل.

مد إيده ناحيتي، وقال بصوت مليان أمل وارتباك السوار اللي معاك فيه علامة صغيرة في الجانب الداخلي، شكل نجمة صغيرة منحوتة؟

بسرعة رفعت إيدي، وقلبت السوار، وشفت العلامة اللي كنت شايفها من وأنا صغير، وما كنتش فاهم معناها، وقلت أيوة موجودة.

مسك اللواء إيدي برفق، وبص للعلامة، وبعدين قارنها بالجزء اللي معاه، وكان الجزء اللي معاه مكتمل العلامة، والجزء اللي معايا يكملها. فجأة، انهار اللواء ودموعه نزلت على خديه، وقال بصوت عالٍ سمعه كل الحضور أخي سليم أنت عايش!
الصدمة والذكريات القديمة

الكلام ده زلزل المكان كله. الناس بدأت تهمس، والضباط اقتربوا شوية، وحتى نور بنتي جرت من صف الخريجين ووقفت جنبي، وعينيها مفتوحة من الدهشة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *