اذا عدت للحديث عن امك

إذا عدتِ للحديث عن أمك مرة أخرى، ستكون هناك عواقب.
سمع كريم منصور تلك العبارة وهو يدخل المنزل بشكل غير متوقع. وبعد ثوانٍ، رأى ابنته متجمدة في مكانها أمام المرأة التي وثق بها لأكثر من عام.
لكن ما كان يحدث داخل الغرفة لم يكن أخطر سر
الجزء الأول
لو ذكرتِ أمك مرة أخرى، لن تتناولي العشاء اليوم وهذه المرة لن أتوقف عند الضرب بالعصا.
سمع كريم التهديد من ممر الطابق الثاني، وشعر وكأن الهواء اختنق في صدره.
في ذلك الخميس، كان من المفترض أن يبقى حتى المساء في اجتماع عمل في القاهرة الجديدة، لكن ظرفًا طارئًا أدى إلى إلغائه. ولأول مرة منذ شهور، قرر العودة مبكرًا إلى منزله في التجمع الخامس.
أراد أن يفاجئ ابنته ليلى، ذات السبع سنوات، ويأخذها لتناول الآيس كريم كما كان يعدها دائمًا ونادرًا ما يفي بوعده.
ما إن دخل، حتى سمع بكاءً مكتومًا.
لم يكن بكاء دلع أو غضب بل صوت شخص تعلّم أن يبكي بصمت.
كان باب غرفة ليلى مواربًا. نظر كريم من الفتحة وتجمّد في مكانه.
كانت ابنته واقفة في منتصف الغرفة، ظهرها مستقيم، وذراعاها ملتصقتان بجسدها، وعيناها مثبتتان على الأرض. ما زالت ترتدي زي المدرسة.
وأمامها كانت نسرين، زوجته الثانية، تمسك بمسطرة خشبية سميكة.
ارفعي إيديك أمرت نسرين.
مدّت ليلى كفّيها بحركة آلية، وكأنها
اعتادت تنفيذ هذا الأمر مرات كثيرة.
فتح كريم الباب بعنف.
إوعي تلمسيها!
التفتت نسرين مذعورة. اندفع كريم إلى الداخل، انتزع المسطرة من يدها، ووقف أمام ابنته.
إنتِ بتعملي إيه؟ سأل، وصوته يرتجف من الغضب.
بربيها ردّت نسرين بعد أن استعادت تماسكها حد لازم يحط لها حدود. إنت مش موجود، والبنت بتعمل اللي هي عايزاه.
لكن ليلى لم تجرِ نحو والدها
بقيت مكانها، تنظر إلى الأرض، خائفة حتى من أن تتنفس.
وهذا ما أخاف كريم أكثر من المسطرة.
ركع أمامها.
بصي لي يا حبيبتي نسرين ضربتك بالحاجة دي؟
رفعت ليلى عينيها لكنها قبل أن تجيب، نظرت إلى زوجة أبيها.
مش هتأذيك تاني قال كريم بحزم قولي الحقيقة.
هزّت الطفلة رأسها بخفة.
من بعد الجواز همست في الأول كانت بتقرصني بعدين بتشد شعري وبعدين بدأت تضربني بالمسطرة.
ضحكت نسرين بسخرية.
مبالغة هي دايمًا درامية من يوم ما أمها ماتت.
اسم الأم جعل ليلى ترتجف.
بيحصل إيه لما تتكلمي عن مامتك؟ سأل كريم.
نسرين بتقول إن اللي ماتوا مالهمش لازمة ولازم أنساها وأناديها ماما. ولو قلت ماما ليلى، العقاب بيكون أسوأ.
شعر كريم بخجل قاتل.
طوال شهور، ظن أن صمت ابنته دليل على تجاوزها الحزن. وكانت نسرين تؤكد له دائمًا أن هذا أمر صحي وأن الطفلة بدأت تتقبل حياتها الجديدة.
وريني فين وجعتك قال.
ترددت ليلى ثم رفعت قميص المدرسة.
تجمد الدم في عروق كريم.
على ظهرها آثار خطوط متوازية بعضها حديث، وبعضها بدأ يختفي. وعلى ذراعيها كدمات صغيرة مخفية تحت الأكمام.
ثم لاحظ بقعة داكنة على كم القميص الأبيض
لم تكن حبرًا.
تحركت نسرين نحو الباب.
بلاش تكبر الموضوع يا كريم فكّر في شغلك في اسمك في سمعتك.
أخرج هاتفه.
أنا بفكر في بنتي.
اتصل بالإسعاف والشرطة. حاولت نسرين خطف الهاتف، لكنه دفعها بعيدًا.
وفجأة تمسكت ليلى بقميصه وهمست بكلمات حطّمته تمامًا
بابا خليها ما تدينيش تاني الشراب البنفسجي بتقول إنه فيتامين بس بعده مش بعرف أصحى.
نظر كريم إلى نسرين.
ولأول مرة اختفى التمثيل من وجهها.
وظهر الخوف.
وما اكتشفوه بعد دقائق داخل حمام نسرين
جعل آثار الضرب على ظهر ليلى مجرد بداية فقط.
لم يكن مستعدًا لما سيجده
الجزء الثاني
وصلت سيارة الإسعاف والشرطة خلال دقائق، لكن تلك الدقائق بدت لكريم وكأنها دهر كامل.
كان يحتضن ليلى بقوة، بينما تقف نسرين قرب الباب، تحاول التماسك، لكن ملامحها لم تعد كما كانت. لم تعد الزوجة الواثقة بل امرأة على وشك الانهيار.
طرقٌ عنيف على الباب، ثم دخل رجال الشرطة يتبعهم مسعفون.
فين الطفلة؟ سأل أحد المسعفين بسرعة.
أشار كريم، وصوته مكسور
هنا بنتي.
بدأ المسعفون في فحص ليلى بلطف، بينما أخذ أحد الضباط كريم جانبًا ليسأله عما حدث. لم يستطع أن يشرح كل شيء الكلمات كانت تختنق في حلقه.
في تلك الأثناء، تقدّم ضابط آخر نحو نسرين.
مدام، هنحتاج نتكلم معاكي.
أكيد قالت وهي تحاول الابتسام في سوء فهم بس.
لكن الضابط لم يرد.
وفجأة، تذكّر كريم كلمات ابنته
الشراب البنفسجي
استدار بسرعة نحو الضابط.
في حاجة في الحمام لازم تشوفوها.
تحرك اثنان من رجال الشرطة فورًا نحو حمام غرفة نسرين.
فتحوا الخزائن الأدراج حتى وصلوا إلى صندوق صغير مخفي خلف مستحضرات التجميل.
يا فندم قال أحدهم.
فتح الضابط الصندوق
وفي داخله كانت زجاجات صغيرة، سائلة بلون بنفسجي غامق، وبعض الحقن، وعلب أدوية بدون أسماء واضحة.
تغيرت ملامح الضابط فورًا.
إيه ده؟
تجمدت نسرين.
دي فيتامينات للدعم الغذائي
لكن صوتها كان مهزوزًا، ولم يعد مقنعًا.
اقترب المسعف من الزجاجة، شمّها بحذر، ثم تبادل نظرة سريعة مع زميله.
لازم تتحلل فورًا.
في تلك اللحظة، بدأت ليلى تبكي بهدوء وهي ممسكة بيد والدها.
بابا كانت بتديني منه قبل النوم وبتقول لي ما أقولش لحد
ركع كريم أمامها، ودموعه تنهمر لأول مرة منذ سنوات.
خلاص يا حبيبتي خلاص محدش هيأذيك تاني.
لكن الحقيقة كانت أقسى مما تخيل.
بعد دقائق، جاء أحد الضباط ومعه هاتف نسرين.
لقينا ده مفتوح وفيه حاجة لازم تشوفها.
عرض الهاتف على كريم.
رسائل صور تسجيلات.
كلها تثبت أن ما حدث لم يكن مجرد
لمحة نيوز




