الصدمه

يوسف نزل من على المسرح الصغير وتمشى بخطوات ثابتة لحد ما وقف قصاد مدحت ودينا بالظبط. الملامح اتغيرت، والابتسامة على وش مدحت بدأت تختفي.
يوسف بص لمدحت وقال: “أنت افتكرت يا بابا – لو ينفع أقولك يا بابا بعد النهاردة – إنك لما تجيبني لرانيا هانم في ليلة شتا وتقولها إنك لقتني في الشارع، إنها مش هتفهم؟ رانيا هانم شافت شهادة ميلادي الحقيقية اللي أنت خبيتها في المكتبة من وأنا عندي سبع سنين.. وعرفت من زمان جداً إني ابنك من الست دي.”
القاعة كلها برقت. أنا نفسي كنت واقفة مذهولة، مش مصدقة إن يوسف كان عارف!
يوسف لف وبصلي، وعينيه لمعت بالدموع، بس كانت دموع قوة مش ضعف. كمل كلامه في المايك وهو بيشاور عليا:
“الست دي.. رانيا.. شافت الشهادة وعرفت الحقيقة كاملة.. عرفت إن جوزها خانها، وإن الطفل اللي في إيدها ده ابن الست اللي خانتها معاها. أي ست تانية في مكانها كانت رمت الطفل في الشارع، أو طلبت الطلاق وفضحتك.. لكن أمي رانيا، بصت في عيني وأنا حتة لحمة حمراء، وقررت تضحي بعمرها، وصحتها، ومستقبلها، عشان تحميني من قذارة الدنيا.. وعشان تربيني تربية تطلعني بني آدم محترم.”
مدحت وشه بقى أحمر زي الدم وزعق: “أنت بتقول إيه يا ولد؟ أنت بتكلمني أنا كده؟ دينا دي أمك الحقيقية اللي من دمك!”
يوسف ضحك ضحكة عالية رنت في القاعة كلها، ضحكة فيها سخرية ووجع:
“أمي؟ الست دينا؟ الست دي باعتني وأنا عندي شهرين لما جالها سفرية بره مع راجل غني، وسابتك وسابتني عشان تجري ورا الفلوس. ولما فلوس الراجل ده خلصت ومات، رجعتلك تاني لما لقتك بقيت رئيس مجلس إدارة ومعاك ملايين. دينا مرجعتش عشانك يا مدحت بيه، ولا رجعت عشاني.. دينا رجعت عشان الشراكة الجديدة اللي شركتك هتعملها مع المستثمرين الأجانب!”
دينا وشها جاب ألوان وصوتها طلع مسرسع: “أنت قليل الأدب ومش متربي! أنا أمك اللي بطني شالتك تسع شهور!”
يوسف قرب منها خطوة وبص في عينيها بكل جمود:
“البطن اللي تشيل وتولد ومتحنش، تبقى مجرد وعاء.. الأم هي اللي سهرت لما سخنت، الأم هي اللي بكت لما فشلت، وهي اللي شجعتني لحد ما بقيت خريج ستانفورد ومعايا شهادات تشتري عيلتك دي كلها.. أمي هي رانيا، والاسم ده خط أحمر.”
في اللحظة دي، أنا مكنتش قادرة أقف على رجلي. الدموع نزلت من عيني زي المطر، بس المرة دي كانت دموع فرحة وعز وكرامة. يوسف محذلنيش.. يوسف طلع الراجل اللي أنا تمنيت أربيه.




