حفيدي

جلس حامد في زاوية صالون بيته الهادئ، يحمل في يده كوب الشاي الذي أوشك أن يبرد، وعيناه معلقتان بتلك الصورة القديمة المثبتة على الجدار لولده الوحيد عادل يوم تخرجه من الجامعة. كانت تلك الأيام مشحونة بالآمال، لكن السنين مرت بسرعة وابتعد عادل بعد زواجه ليعيش في ولاية أخرى بعيدة بحجة عمله وتأسيس حياته الخاصة. لم يكن حامد يجد حرجاً في ذلك، بل كان يمنّي نفسه باليوم الذي يرعى فيه أحفاده. ولعل الخبر الذي انتظرته أذناه لسنوات جاء في يوم دافئ عندما اتصل به عادل بصوت يفيض فرحاً ليعلنه بأنهما يستعدان لاستقبال مولودهما الأول. غمرت حامد موجة من العاطفة لم يستطع السيطرة عليها، وظل لأسابيع يعرض على ابنه أن يسافر إليهما ليساعدهما في الترتيبات ويقف إلى جوارهما، لكن عادل كان يقابل هذا الحماس دائماً بنبرة هادئة ومتحفظة، يطلب منه الانتهاء من الترتيبات أولاً ثم الحضور بعد أن يرى المولد النور ليكون الوقت أقضى وأمتع. استسلم حامد لرجاء ابنه، غير أن إحساساً خفياً بالريبة كان يراوده، إحساساً بأن هناك شيئاً يخفيه عادل خلف نبرته المتزنة. وفي اليوم الموعود، اقتحم صوت عادل المتوتر هدوء البيت عبر الهاتف وهو يقول بنبرة تختلط فيها الفرحة بالاضطراب إن المولود قد وصل. لم يتردد حامد لحظة واحدة، بل حمل حقيبته وانطلق إلى المستشفى، حيث ساد الهويد والهدوء الممرات، وعندما دخل الغرفة رأى عادل يقف بجوار زوجته شيرين التي يبدو عليها الإرهاق الشديد لكنها تتصنع الابتسام. وضع عادل الرضيع بين يدي أبيه، وكانت لحظة غمرت حامد بفيض من الدموع؛ فالطفل كان جميلاً بملامح هادئة وشعر أسود كثيف، أصابعه الصغيرة ملتفة حول البطانية بدفء نادراً ما يراه في المواليد. انحنى حامد وهمس في أذنه بكلمات المودة، واحتضن ابنه بامتنان، محاولاً الاستمتاع ببهجة اللحظة دون فتح أبواب الشكوك. ولكن، بعد ساعات من الاستقرار في الغرفة، خرج حامد إلى الممر الخارجي ليتنشق بعض الهواء ويرتاح قليلاً من مشاعر الفرح القوية، فشاهد إحدى الممرضات تقف عند المحطة الرئيسية وتراجع بعض الملفات. تقدم حامد نحوها بابتسامة دافئة ليعبر لها عن شكره وامتنانه للرعاية التي حظي بها ابنه وزوجته، فنظرت إليه الممرضة بابتسامة عابرة وقالت إنها تتذكر ابنه جيداً، فتحدث حامد بفخر وعاطفة الأب المشتاق، لكن الابتسامة سرعان ما تلاشت من وجه الممرضة تماماً. انقلبت ملامحها إلى الذهول والجديّة، ونظرت حذرة حولها، ثم اقتربت منه وخفضت صوتها إلى أقصى حد وقالت كلماتها التي نزل أثرها عليه كالصدمة حيت أسرّت له بأن هذا الطفل ليس هو نفس الطفل الذي خرج به ابنه من القسم قبل قليل. ظن حامد في اللحظة الأولى أنه لم يفهم جيداً، حاول أن يضحك بتوتر معتقداً أنها تمازحه أو أنها خلطت





