حفيدي

موقع أيام نيوز
بين الحالات لكثرة المرضى في المشفي، فسألها بذهول عما تقصده، فتحول وجهها إلى الشحوب وكأنها أدركت أنها تفوهت بما لا ينبغي، وسألته بهمس متوتر عما إذا كان لا يعلم حقيقة الأمر، وقبل أن يستفسر منها عن سر كلامها، نادتها ممرضة أخرى بعجل، فانسحبت بسرعة تاركة إياه واقفاً يتخبط في ذهول تام، والممر يضيق عليه كأنه نفق مظلم لا نهاية له.
عاد حامد إلى المنزل وهو يحمل في صدره ثقلاً لا يطاق، تحولت مشاعر الأبوة الصافية إلى تساؤلات مسمۏمة لا تجد إجابة. ظل يحاول طوال الطريق أن يختلق الأعذار والمبررات، راجياً أن يكون ما قالته الممرضة مجرد أوهام أو خطأ في تشابه الأسماء، لكن العقل المجهد بدأ يسترجع الشهور التسعة الماضية بشريط متسلسل من التفاصيل الغريبة التي غفل عنها بفعل حسن النية. تذكر حامد أن عادل لم يرسل له طوال فترة الحمل أي صورة تجمع بينه وبين زوجته شيرين وهي ببطن منتفخة، بل كانت الصور تقتصر دائماً على التجهيزات، غرف نوم المواليد، الهدوم المصنفة، والألعاب المتراكمة. تذكر أيضاً تلك اللقاءات المرئية التي كانت شيرين تتهرب منها بداعي التعب الشديد أو النعاس، وحتى الصور العائلية التي التُقطت بعد الولادة لم تكن تشير إلى مظاهر إجهاد الحمل الطبيعية على جسمها. عندما حاول حامد في مساء اليوم التالي فتح الموضوع مع ابنه بنبرة هادئة ومراوغة، رد عادل بسرعة غير معتادة ونفى الأمر جملة وتفصيلة، متهماً الممرضة بالخرق وإشاعة اللغط بين المرضى، لكن ارتباك صوت عادل وتجنبه النظر المباشر في عيني أبيه كان بالنسبة لحامد دليلاً قاطعاً على وجود سر مكتوم. علم الأب أن عادل يخفي حقيقة كبرى، حقيقة تجعله يرتجف خوفاً كلما اقترب أحد من هذا الموضوع. ومن هنا قرر حامد ألا يقف موقف المتفرج، بل استغل خروج عادل وشيرين في اليوم التالي لقضاء بضع المعاملات خارج البيت، وتوجه بنظرات ملؤها التردد والواجب إلى المكتب المخصص لحفظ الوثائق العائلية في الغرفة المجاورة. فتح الأدراج بعناية، وبدأ يقلب الملفات الطبية وأوراق التأمين وشهادات الميلاد الحديثة. كانت الأوراق الرسمية تبدو في ظاهرها سليمة وخالية من الشوائب، لكنه في القاع، أسفل رزمة من الفواتير والخطابات القديمة، عثر على مظروف أصفر مغلق بعناية. استخرجه بحذر وأصابعه ترتجف، وعندما فتح الوثيقة وقرأ السطر الأول، امتزجت مشاعره بالصدمة والڠضب؛ كان المستند عبارة عن خطبة رسمية صادر من وكالة تبني محلية يفيد برفض الطلب المقدم من عادل وزوجته لعدم استيفاء الشروط القانونية قبل شهرين فقط من التاريخ المفترض للولادة، وتحت هذا المستند وجد تقريراً طبياً قديماً يعود لثلاث سنوات يثبت بشكل قاطع أن شيرين قد أجرى لها استئصال كامل للرحم إثر عارض صحي حاد.
سقطت الأوراق من يد حامد وشعر بدوار شديد يلتف





