حماتي رمت حاجه مقرفه على فستان فرحي

عليكي.
ولا أنا.
ولا أي حد.
أبويا كان واقف قريب مني.
ولأول مرة من بداية الليلة حسيت قد إيه كان قلقان عليا.
قرب مني وسأل
عايزة تمشي؟
بصيت له.
وبعدين بصيت للناس.
وبعدين للفستان الملطخ بالبقعة السودة.
الفستان اللي بدأ اليوم كرمز للإهانة.
وانتهى شاهد على ظهور الحقيقة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقلت
لا.
مش همشي.
القاعة كلها اتفاجئت.
لكنني كملت بسرعة
ومش معنى إني مش همشي إن كل حاجة رجعت طبيعية.
كريم بلع ريقه.
وأنا كملت
الجواز مش فستان.
ومش فرح.
ومش صور حلوة.
الجواز ثقة.
والثقة لما تتكسر بتحتاج وقت.
وقت طويل.
كريم هز رأسه.
وقال
وأنا مستعد أستنى.
مهما كان الوقت.
بصيت له.
ولأول مرة من ساعات حسيت إنه بيتكلم بصدق كامل.
من غير خوف.
ومن غير تبريرات.
ومن غير ما يستخبى ورا حد.
في اللحظة دي الحاج فؤاد طلب من المعازيم بهدوء إنهم يسيبوا العيلة شوية.
ناس كتير بدأت تمشي.
والبعض فضل يسلم ويغادر.
خلال ساعة تقريبًا كانت القاعة فاضية إلا من أقرب الناس.
أما مديحة هانم فكانت قاعدة لوحدها في ركن بعيد.
محدش بيتكلم معاها.
ولا هي قادرة تتكلم مع حد.
بعدها بأيام بدأت العاصفة الحقيقية.
لأن الأوراق كلها اتسلمت للمحاسبين القانونيين.
واتفتح تحقيق داخلي في الشركة.
واكتشفوا إن فيه بالفعل تحويلات مالية غير قانونية حصلت على مدار سنوات.
لكن كمان اتأكد إن جزء كبير من الفلوس ماكانش رايح لمصلحة شخصية مباشرة.
كان بيتنقل بين حسابات وشركات وهمية بطريقة معقدة جدًا.
وده ما خلاش الغلط أقل.
لكن وضح الصورة كاملة.
الحاج فؤاد بنفسه أصر إن كل حاجة تتراجع بشفافية.
وأعلن إنه مستعد يتحمل أي مسؤولية قانونية تخص الشركة.
أما سامح…
فبعد سنين من الظلم.
أخيرًا ظهرت براءته.
واستعاد جزء كبير من حقه.
ورجع شريك رسمي بعد مراجعة كل الملفات القديمة.
وكان أول شخص قال للحاج فؤاد
الغضب هيضيع اللي باقي.
إحنا محتاجين نصلح اللي اتكسر.
مش نكسر أكتر.
ورغم كل اللي حصل بينهم…
بدأوا فعلًا يحاولوا يصلحوا الماضي.
أما مديحة هانم…
فكانت أكتر واحدة دفعت الثمن.
مش بسبب الفلوس.
ولا بسبب التحقيقات.
لكن بسبب نظرات الناس اللي حواليها.
ولأول مرة في حياتها اكتشفت إن السلطة والنفوذ ما يقدروش يشتروا راحة الضمير.
مرت شهور وهي شبه منعزلة.
تراجع نفسها.
وتفكر في كل قرار خدته.
وكل كذبة بنت فوقها كذبة أكبر.
لحد ما في يوم طلبت تقابلني.
قعدنا في كافيه هادي.
وكان شكلها مختلف تمامًا عن الست اللي عرفتها.
أهدى.
وأضعف.
وأقرب للإنسان العادي.
قالت بعد صمت طويل
أنا آسفة.
بصيت لها من غير كلام.
فكملت
مش بس على الفستان.
على سنين كاملة.
على كل كلمة ضايقتك.
وعلى كل مرة حاولت أقلل منك.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
كنت فاكرة إن الفلوس والمكانة أهم حاجة.
واكتشفت متأخر إنهم ولا حاجة.
ما رديتش بسرعة.
لكنني قلت في النهاية
المسامحة محتاجة وقت.
هزت رأسها.
وقالت
عارفة.
وأنا هستنى.
بعد سنة كاملة…
كانت أمور كتير اتغيرت.
التحقيقات خلصت.
الشركة استقرت.
والخلافات الكبيرة بدأت تهدأ.
أما أنا وكريم…
فما اتجوزناش يوم الفرح.
وده كان قرار مشترك.
أجلنا كل حاجة.
لحد ما نتأكد إننا قادرين نبدأ بداية حقيقية.
بلا أسرار.
وبلا خوف.
وبلا كذب.
خدنا وقت طويل نتكلم.
ونفهم بعض من جديد.
ونتعلم إزاي الثقة بتتبني.
مش بالكلام.
لكن بالأفعال.
يوم ورا يوم.
وبعد سنة كاملة…
وقفنا في قاعة صغيرة جدًا.
مافيهاش ميتين معزوم.
ولا رجال أعمال.
ولا شخصيات مهمة.
كان فيها الناس اللي بيحبونا بس.
أبويا.
الحاج فؤاد.
سامح.
ندى.
وعدد قليل من الأصدقاء.
ولما دخلت القاعة وقتها…
كنت لابسة فستان جديد.
بسيط.
هادئ.
من غير بهرجة.
ومن غير مبالغة.
لكن قيمته عندي كانت أكبر من أي فستان في الدنيا.
لأنه ماكانش شاهد على كذبة.
كان شاهد على بداية حقيقية.
وقبل ما أمشي ناحية كريم…
لقيت حد بيقرب مني.
التفت.
فلقيت مديحة هانم.
كانت واقفة ومعاها علبة صغيرة.
ناولتهالي.
وقالت
دي حاجة كانت عندي من زمان.
فتحت العلبة.
ولقيت جوه الورقة القديمة.
نفس الورقة.
اعرفي مقامك.
بصيت لها باستغراب.
فقالت وعينيها مليانة دموع
احتفظت بيها عشان أفضل فاكرة أسوأ حاجة عملتها.
وسحبت الورقة من إيدي.
ومزقتها قدامي.
قطعة وراء قطعة.
وبعدين قالت
مقامك الحقيقي ظهر يوم ما لبستي الفستان ومشيتي رافعة راسك.
أنا اللي ماكنتش عارفة مقامك.
ساعتها فقط…
حسيت إن صفحة طويلة جدًا من حياتنا اتقفلت.
مسكت دراع أبويا.
زي ما عملت في الليلة الأولى.
لكن الفرق إن المرة دي ماكانش فيه خوف.
ولا غضب.
ولا أسرار.
ابتسم أبويا وقال
جاهزة؟
ابتسمت.
وقلت
جاهزة.
ومشيت ناحية كريم.
بين ناس بتحبنا.
وبين قلوب اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الحقيقة ممكن توجع…
لكن عمرها ما كانت أخطر من الكذب.
تمت القصة.


