قبل الجواز كنت بشتغل وبعمل جمعيات

كل حاجة تخلص قبل ما هويدا تعرف.
حسيت بدوخة.
قلت
وتعرف إيه؟
قالت
معرفش.
لكن واضح إنهم كانوا بيخططوا لحاجة.
رجعت البيت وأنا في حالة صدمة.
في حاجة بتحصل من ورايا.
وحاجة كبيرة.
مش مجرد دهب.
ولا مجرد فلوس.
وفي نفس الأسبوع.
حصلت المفاجأة اللي قلبت كل حاجة.
كنت بنضف درج قديم في الصالة.
درج عمرنا ما بنفتحه تقريباً.
وأثناء التنضيف لقيت ظرف صغير واقع في آخر الدرج.
واضح إنه منسي بقاله سنين.
فتحته.
وكان جواه جواب.
قديم.
مصفر من الزمن.
ومكتوب بخط عبير.
بدأت أقرأ.
وأول سطر خلاني أحس إن قلبي وقف.
جابر، لو اتجوزت غيري عمري ما هسامحك…
كملت قراءة.
وكان واضح إن الجواب مكتوب قبل سنين طويلة.
أيام ما كانت بينهم قصة قديمة.
لكن آخر سطر كان الأخطر.
ومتنساش إن السر اللي بينا لو خرج للناس، حياتنا كلنا هتتدمر.
فضلت باصة للكلام.
وأعيده مرة واتنين.
وعشرة.
السر اللي بينا؟
إيه هو السر؟
وليه عبير لحد دلوقتي بتاخد منه فلوس؟
وليه جابر بيدفع؟
وليه خايف أوي إني أعرف؟
لكن الإجابة كانت أقرب مما أتخيل.
لأن بعد أيام قليلة…
هيظهر شخص من الماضي فجأة.
شخص اختفى أكتر من عشر سنين.
وهيقول قدامي كلام هيكشف الحقيقة كاملة.
حقيقة هتخلي عبير نفسها تنهار بالبكاء.
وجابر يقف لأول مرة في حياته عاجز عن الكذب أو الهروب.
من بعد ما لقيت جواب عبير، وأنا بقيت عايشة في دوامة.
كل يوم أصحى وأنا عندي أمل ألاقي إجابة.
وكل يوم أنام وأنا عندي أسئلة أكتر.
إيه السر؟
وليه جابر بيدفع فلوس لعبير كل شهر؟
وليه الاتنين خايفين أعرف الحقيقة؟
جابر كان ملاحظ إني اتغيرت.
بقيت هادية زيادة عن اللزوم.
مبقتش أجادله.
مبقتش أزعق.
ولا حتى أفتح سيرة الدهب.
وده كان مقلقه أكتر من أي خناقة.
في مرة قالي
مالك يا هويدا؟
قلت
مفيش.
قال
حاسك بعيدة.
ابتسمت وقلت
يمكن.
وسبته ومشيت.
لأول مرة هو اللي يبقى قلقان.
بعد أسبوع تقريباً، كنت عند ماما.
وكنا قاعدين نشرب شاي.
وفجأة الباب خبط.
ماما قامت تفتح.
وبعد دقيقة سمعتها بتناديني
هويدا… تعالي.
خرجت.
ولقيت راجل كبير واقف.
شكله في أواخر الستينات.
وشه مجهَد.
لكن فيه ملامح مألوفة.
كأني شوفته قبل كده.
سلم عليا.
وقال
إنتِ هويدا؟
قلت
أيوه.
قال
أنا محتاج أتكلم معاكي.
قعدنا.
والراجل فضل ساكت شوية.
كأنه بيلم شجاعته.
وبعدين قال
أنا اسمي عماد.
اتجمدت.
نفس الاسم اللي كان مكتوب في إقرار الدين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال
أنا عارف إن كلامي هيصدمك.
لكن ضميري مبقاش مستحمل.
سكتنا كلنا.
وبعدين كمل
أنا كنت شريك أبو جابر زمان.
بصيت له باهتمام.
وقال
وأبو جابر كان راجل محترم.
لكن ابنه وقع في غلطة كبيرة.
بدأ يحكي.
ومن كل كلمة كانت الحقيقة بتبان أكتر.
من سنين طويلة.
قبل جوازي من جابر.
كان في مشروع صغير بين عماد وأبو جابر.
والمشروع كان فيه مبلغ كبير متشال للتشغيل.
وفي يوم المبلغ اختفى.
الكل افتكر وقتها إنه خطأ حسابات.
أو خسارة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
عماد بصلي وقال
الفلوس أخدها جابر.
حسيت بصدمة.
رغم إني كنت متوقعة حاجة شبه كده.
لكن سماع الحقيقة كان مختلف.
قال
عبير كانت تعرف.
وشافته بنفسها.
سكت.
وبعدين كمل
ومن يومها وهي ماسكة السر ده عليه.
حسيت إني بدأت أفهم.
قلت
يعني كانت بتبتزه؟
تنهد.
وقال
بشكل أو بآخر.
كل ما تحتاج حاجة تذكره بالماضي.
وهو يدفع.
افتكرت التحويلات.
والدهب.
وكل حاجة.
قلت
طب ليه مظهرتش الحقيقة وقتها؟
عماد نزل عينه.
وقال
عشان أبوه.
أبو جابر كان مريض.
وكان خايف ابنه يدخل في مشاكل تضيع مستقبله.
فسدد جزء كبير من المبلغ من جيبه.
وطلب مني أسكت.
ماما كانت قاعدة مصدومة.
وأنا حاسة إن الدنيا بتتكسر حواليا.
الراجل اللي عشت معاه سنين.
كان بيبني حياته على أسرار وكذب.
لكن عماد لسه ما خلصش كلامه.
قال
في حاجة أهم.
بصيت له.
قال
الفلوس اللي أخدها زمان كانت بداية المشكلة.
لكن المشكلة الحقيقية إنه عمره ما اعترف.
وعمره ما حاول يصلح غلطه.
سكت شوية.
وبعدين أخرج ملف من شنطة قديمة معاه.
وحطه قدامي.
وقال
احتفظت بالورق ده سنين.
يمكن يجي يوم تحتاجيه.
فتحت الملف.
ولقيت نسخ من مستندات قديمة.
وتوقيعات.
وحسابات.
وكلها بتأكد كلامه.
رجعت البيت وأنا شايلة الملف.
ومش قادرة أفكر.
بالليل.
جابر رجع.
وأول ما دخل حسيت إن الوقت جه.
حطيت الملف قدامه على الترابيزة.
بص له.
وبعدين بصلي.
وشه فقد لونه.
قال
جبتي ده منين؟
قلت
مش مهم.
المهم إنه حقيقي.
فضل ساكت.
لأول مرة.
مفيش تبريرات.
مفيش عصبية.
مفيش كذب.
قلت
دهبي فين يا جابر؟
رفع عينه.
وبصلي.
وسكت.
قلت
بعت تعب سنيني عشان ترضي غرورك؟
عشان تثبت لعبير إنك بقيت تقدر تجيب الدهب اللي أهلها طلبوه؟
جابر قعد على الكرسي.
وكأنه كبر عشر سنين في لحظة.
وبعد دقائق طويلة من الصمت قال
أيوه.
الكلمة نزلت عليا كالصاعقة.
رغم إني كنت عارفة.
لكن الاعتراف شيء تاني.
قال
أنا أخدت الدهب.
وأديته لعبير.
كنت فاكر إني بقفل صفحة قديمة.
لكن فتحت أبواب أكتر.
أول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده.
لكن قلبي كان موجوع أكتر من إنه يتعاطف.
قلت
يعني خنت ثقتي.
وسرقتني.
وكذبت عليا.
نزل رأسه.
ومردش.
في اللحظة دي عرفت إن الجواز اللي كنت متمسكة بيه بقى واقف على حافة النهاية.
لكن كان لسه فاضل قرار واحد.
قرار هيحدد مصيرنا كلنا.
قرار هيتاخد بعد مواجهة أخيرة.
مواجهة قدام العيلة كلها.
وفيها هتنكشف الحقيقة بالكامل.
وهيعرف الجميع مين اللي ظلم.
ومين اللي اتظلم.
ومين اللي دفع تمن أخطاء غيره سنين طويلة.
الهدوء كان تقيل.
تقيل لدرجة إني كنت سامعة صوت عقارب الساعة وهي بتتحرك.
جابر قاعد قدامي مطأطئ راسه.
وأنا ببصله.
مش قادرة أصدق إن الراجل اللي شاركني سنين من عمري هو نفسه الراجل اللي فتح درجي، وأخد دهبي، وباع ثقتي قبل ما يبيع أي حاجة تانية.
فضلنا ساكتين دقائق طويلة.
لحد ما قلت
ليه؟
رفع عينه وبصلي.
كانت أول مرة أشوف فيها الخوف الحقيقي جواه.
قال بصوت مكسور
معنديش مبرر.
قلت
أكيد عندك.
قال
كل اللي عندي أعذار.
وكلها ملهاش قيمة.
قعد يحكي.
من أول أيامه مع عبير.
إزاي اتعلق بيها وهو صغير.
وإزاي أهلها رفضوه وقتها.
وإزاي فضل جواه إحساس بالنقص سنين.
كل ما يشوف حد ناجح كان يحاول يثبت لنفسه إنه بقى أحسن.
وكل ما يشوف عبير كان يحس إنه لسه واقف مكانه.
قال
لما شوفت الدهب عندك افتكرت كلام زمان.
افتكرت السخرية.
وافتكرت إحساسي بالعجز.
وعملت أغبى حاجة ممكن إنسان يعملها.
كنت بسمعه.
لكن جوايا كان في حاجز كبير.
لأن أي كلام مش هيرجع الثقة.
ولا هيمحي اللي حصل.
قلت
يعني أنا دفعت تمن عقدك القديمة؟
سكت.
لأنه عارف إن دي الحقيقة.
في اليوم التالي.
طلبت منه يجمع العيلة كلها.
هو استغرب.
لكن وافق.
بعد يومين.
كان بيت العيلة مليان.
أمه.
أخواته.
عبير.
وخالاته.
وأقارب كتير.
الكل مستغرب سبب التجمع.
أنا كنت هادية.
على غير عادتي.
وده خلاهم كلهم قلقانين.
جابر كان قاعد ساكت.
وشه شاحب.
كأنه عارف اللي جاي.
أول ما الكل قعد قلت
أنا جمعتكم النهاردة عشان موضوع مهم.
وبدأت أحكي.
من أول يوم جبت فيه الدهب.
لحد يوم اختفائه.
لحد ما شوفته في إيد عبير.
ثم اعتراف جابر.
البيت كله اتقلب.
أصوات عالية.
وصدمة.
وعدم تصديق.
أم جابر قعدت تعيط.
وقالت
يا ابني ليه؟
وأخوه الأكبر وقف وقال
الكلام ده صحيح؟
جابر بص للأرض.
وقال
أيوه.
في اللحظة دي ساد صمت غريب.
لأن الاعتراف جه منه هو.
قدام الجميع.
من غير ضغط.
ومن غير إنكار.
كل الأنظار راحت ناحية عبير.
وشها كان أحمر.
ومتوترة.
قالت بسرعة
أنا مكنتش أعرف إنه دهب هويدا.
بصيتلها.
وقلت
بجد؟
طلعت صورة من تليفوني.
كنت مصوراهم يوم ما اشتريتهم.
الصورة فيها نفس النقشة.
ونفس التفاصيل.
عبير سكتت.
ومعرفتش ترد.
قلت
ولما قولتيلي بنفسك إن جابر جابهملك مخصوص؟
وشها اصفر.
والناس بدأت تفهم.
لكن الغريب إن عبير فجأة انفجرت في البكاء.
وقالت
أنا تعبت.
الكل سكت.
قالت وهي بتعيط
تعبت من الماضي ده.
وتعبت من المقارنات.
وتعبت من إحساس إني السبب في كل حاجة.
لأول مرة حسيت إن حتى هي ضحية بشكل أو بآخر.
مش ضحية زيي.
لكن ضحية أخطاء قديمة استمرت سنين.
قالت
أنا كنت كل ما أشوفه يفتكر زمان.
وكل ما أطلب حاجة يوافق.
وأوقات كنت بغلط.
وأوقات كنت بستغل ضعفه.
بس عمري ما تخيلت إنه هيوصل للدرجة دي.
سكتت.
وبعدين خلعت الإسورة والخاتم.
وحطتهم على الترابيزة.
وقالت
خدي حقك.
بصيت للدهب.
اللي فضلت شهور أعيط عليه.
ولما شوفته قدامي تاني…
محستش بالفرحة اللي كنت متخيلاها.
لأن اللي ضاع مكانش دهب.
اللي ضاع كان الثقة.
بعد التجمع ده.
رجعنا البيت.
أنا وجابر.
ولأول مرة حسيت إن بينا مسافة أكبر من أي وقت فات.
قعدنا أيام طويلة بنتكلم.
ساعات.
وساعات.
وساعات.
عن كل حاجة.
عن الغلط.
وعن الكذب.
وعن السنين اللي فاتت.
جابر كان بيعتذر.
كل يوم.
وبكل الطرق.
لكن الاعتذار لوحده عمره ما بيصلح كل شيء.
بعد فترة طلبت منه حاجة واحدة.
قلت
لو فعلاً ندمان.
ارجع كل حق لأصحابه.
وفعلاً.
راح لعماد.
وسدد باقي المبالغ





