دي حتى ما تعرفش تقرا

— أ… أيوه يا فندم… دي زجاجة خاصة.
ابتسم ياسين ابتسامة بالكاد تُرى.
أما داليا، فخفضت رأسها، ولم تجد كلمة واحدة تدافع بها عن نفسها.
لكن سلمى لم تكتفِ بذلك.
وضعت القائمة على الطاولة وقالت بالفرنسية مرة أخرى:
— هناك أيضًا خطأ مطبعي في الصفحة السابعة… اسم المزرعة مكتوب بطريقة خاطئة منذ أكثر من عام.
تجمّد المدير.
ثم أسرع يفتح الصفحة.
وبعد ثوانٍ…
تغيّر لون وجهه.
كان الخطأ موجودًا فعلًا.
همس الشيف الفرنسي، الذي خرج من المطبخ بعدما سمع الحديث:
— مستحيل…
ثم نظر إلى سلمى بدهشة وقال بالفرنسية:
— من علّمك كل هذا؟
أجابت بابتسامة حزينة:
— والدي… قبل أن نفقد كل شيء.
ساد صمت ثقيل.
ولأول مرة، شعر كل من في المطعم بالخجل من الطريقة التي نظروا بها إلى تلك النادلة الفقيرة.
لكن ياسين لم يكن ينظر إلى القائمة…
ولا إلى داليا…
كان ينظر إلى القلادة الصغيرة المعلقة في عنق سلمى.
قلادة فضية قديمة…
على شكل مفتاح.
وفجأة…
تغيّرت ملامحه تمامًا.
نهض من مقعده ببطء، واقترب منها خطوة، ثم قال بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
— القلادة دي… جبتيها منين؟
وضعت سلمى يدها عليها بتلقائية.
— دي كانت آخر حاجة سابهالي والدي قبل وفاته… وقال لي أوعى أفرّط فيها مهما حصل.
تراجع ياسين خطوة إلى الخلف، وكأن صدمة عنيفة أصابته.
ثم همس لنفسه:
— مستحيل…
نفس المفتاح…
بعد عشرين سنة!
وفي اللحظة نفسها، دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يصرخ:
— باشا… الخزنة القديمة في فيلا العائلة اتفتحت لوحدها… ولقينا رسالة باسم “سلمى”!
يتبع…تجمّد ياسين في مكانه.
نظر إلى الحارس، ثم إلى القلادة في يد سلمى، وكأن قطعتين من لغز قديم التقتا أخيرًا.
قال بحدة:
— اقفل الباب… ومحدش يخرج من المطعم.
ساد الذعر بين الزبائن.
أما داليا، فاقتربت منه وهمست:
— ياسين… دي مجرد نادلة، إنت مصدق الكلام ده؟
لم يرد.
كانت عيناه معلقتين بالمفتاح الفضي.
التفت إلى سلمى وسألها:
— اسم والدك بالكامل؟
أجابت بعد تردد:
— السفير محمود الكيلاني.
وكأن الاسم ضربه في صدره.
أغمض ياسين عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت:
— كنت أعرفه.
شهق مدير المطعم.
فالسفير محمود اختفى في ظروف غامضة قبل عشرين عامًا، وأغلقت قضيته ضد مجهول.
قالت سلمى وهي تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها:
— حضرتك… تعرف والدي؟




