امان مستعار

سليم أخد نفس عميق، ونظراته حدتها بدأت تقل تدريجيًا لما شاف دموعها. مد إيده ومسك إيديها اللي كانت بتترعش على حجرها، وضغط عليها بالراحة بس بثبات:

ـ مش عايزكِ تخافي من حاجة أبدًا… ولا تشيلي هم بكرة. أنا ظهرك و سندِك يا ليان، وده مش مجال للنقاش.

حرك السيارة بهدوء متجهة إلى الشارع المقابل لمنزلها، وطوال الطريق كان الصمت هو السائد، صمت مليء بشحنات عاطفية متأرجحة بين الخوف والأمان.

كان سليم يقود سيارته الفخمة ببطء شديد في الشوارع الهادئة، مقتطعًا طريق العودة ليطيل الثواني الأخيرة قبل أن تفارقه ليان. أطفأ المحرك حين وصل أسفل بنايتها، وساد الصمت الشديد داخل السيارة، صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاسهم المتسارعة ورائحة العطر التي ملأت المكان.

لم تكن ليان تتحدث كثيرًا هذه المرة؛ كانت جالسة إلى جواره، تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة من هول ما حدث في الشارع منذ ساعات، بينما عقلها يعيد المشاهد ببطء… خوفها، يده الممتدة وهي تجمع كتبها من الأرض، و بحة صوته القاطعة وهو يخبر الشباب بأنه لن يسمح لأحد بأن يمسها بسوء.

كانت تشعر بشيء غريب، شيء يشبه الطمأنينة الساطعة لكنه يربكها في آن واحد. التفتت إليه للحظات، ثم أسرعت بإعادة عينيها إلى النافذة حين شعرت أنه انتبه لنظراتها، فابتسم سليم ابتسامة صغيرة لم يعلق عليها.

كان هو الآخر غارقا في أفكاره؛ لم تكن تلك اللحظات الدافئة تخلو من أشباح مخيفة…

التفت سليم إليها، ونظراته الصلبة تحولت إلى دفء خالص، ثم قال بهدوء:

ـ وصلنا… ادخلي على طول وما تقفيش تحت العمارة. و متخافيش تاني، أي حاجة تحصل اتصلي بيا على طول.

ابتسمت ليان بخجل ونزلت من السيارة، لكنها توقفت قبل أن تغلق الباب و التفتت إليه من جديد:

ـ دكتور سليم؟

ـ نعم؟

ترددت قليلا وهي تتأمل ملامحه الحادة، ثم همست بعفوية:

ـ أنا… مش عارفة ليه، بس لما ببقى معاك بحس إني مطمنة. شكرًا على كل حاجة.

توقفت الكلمات في حلق سليم للحظة، ولم يكن مستعدا لسماعها بهذه الصراحة الداكنة. حاول إخفاء اضطرابه وهو ينظر في عينيها وقال:

ـ يمكن عشان عارفة إنك مش لوحدك… ادخلي و ارتاحي.

نزل سليم معها حتى باب العمارة ليؤمّن دخولها، وظل يتابعها بعينيه حتى اختفت في المدخل، ثم رفع رأسه نحو شرفة شقتها.

لكن سليم لم يكن وحده من يراقب…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *