امان مستعار

قال بنبرة هادئة لكنها تحمل أمرًا لا يقبل النقاش:

ـ اركبي يا ليان… جاي أخدك، مش هسيبك تمشي لوحدك بالليل، ومش هسيبك تمشي المرة دي قبل ما نفهم.

ترددت ليان، لكنها أمام نظرته الجسور ورغبتها القاتلة في فهم السد الذي بُني بينهما، حسمت أمرها وصعدت إلى جواره. خيم صمت ثقيل على السيارة وهي تتحرك في الشوارع الخافقة، صمت تشهق فيه الأنفاس و تتضارب فيه دقات القلوب.

أوقف سليم السيارة على جانب طريق هادئ و خالٍ، و أطفأ المحرك. التفت إليها بجسده كله، وأسند ذراعه على المقود بنظرة مشتعلة بالشك والجرح:

ـ أربع أيام يا ليان… أربع أيام مش بتردي على اتصال، و جاية النهاردة المركز زي الغريبة، تدفعي بقية الفلوس و تختمي الملف و تديني ظهرك كأننا بنمسح اسم بعض باستيكة؟ بتتهربي من عينيا ليه؟ هو أبوكِ محمود حكالك حاجة؟ بقيتِي شايفاني مجرد جزار من عيلة ظلمتكم؟… ولا الحكاية كلها كانت تمثيلية مدروسة عشان تكوني السهم اللي يضرب بيه عيلة الشافعي؟!

سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس ليان، وشعرت بخنجر يمزق صدرها. انهمرت الدموع من عينيها دون صوت، ثم واجهت نظراته القاسية بابتسامة مريرة جرحها الكبرياء:

ـ إنت شايفني كده؟ شايفني رخيصة و طُعم في لعبة انتقام؟! أنا جيت المركز النهاردة عشان موقفك معايا ما يبقاش سيف على رقبتي، وعشان أقطع أي حاجة تربطنا ببعض. بس أنا عمرى ما كنت لعبة يا دكتور سليم… أنا كنت شايفاك الأمان .كنت شايفاك الحيطة اللي بتسند عليها لما الدنيا كلها بتتهد فوق دماغي.

ارتجفت ملامح سليم الجافة، و انكسرت القسوة في عينيه أمام دموعها النازفة وصدق كلماتها.

اقتربت ليان منه خطوة داخل مساحة السيارة الضيقة، وقالت بصوت مرتعش يقطر حرقة:

ـ بس قولي… ليه؟ ليه بتساعدني، وليه بتهتم بأمري وأمر عيلتي كل الاهتمام ده و تخاطر بنفسك، لو إنت بتشك فيا بالشكل ده؟ اتكلم يا سليم… ليه بتهتم بيا؟! وهل فيه حاجة تانية بتخبيها عني؟

سكت سليم. كانت حشرجة وجعه تخنقه؛ فقلبه الذي ينبض لها بجنون يصرخ بأنه يعشقها، لكن عقله، وفارق السن، والسر الأسود بين العائلتين، كانوا يصرخون فيه بالابتعاد.

أخذ نفسا عميقا وحاول كبح طوفان المشاعر، ليقول بنبرته العقلانية التي يهرب إليها دائمًا:

ـ أنا بساعدك… لأنك إنسانة تستحقي الدعم. ولأني أهتم لأمرك ومش قادر أشوفك مجروحة و أقف متفرج… ده كل الموضوع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *