امان مستعار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على آخر الأسبوع، كان الهدوء في بيت مريم زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
“مالك”، ابنها الصغير، كان من الصبح مش على بعضه. في الأول افتكرتها مريم سخونية عادية من تغيير الجو، بس مع اخر النهار، الحرارة عليت جدا، والولد بقى هادي وخامل بشكل يرعب. حطت إيدها على قورته، وسحبتها بسرعة وكأنها لمست جمرة نار، وبصت لاختها ليان بعيون فيها وخوف:
– ليان… الولد مولع نار
قربت ليان بسرعة، حطت ظهر إيدها على رقبة ابن أختها. اتجمدت ملامحها، ونبضها زاد:
– يا نهار أبيض ده زي الفرن
مريم بدأت تفرك في إيدها والدموع انهمرت من عينها:
– أنا خايفة عليه أوي يا ليان.. الولد بيروح مني
– متخافيش، هنلبس وننزل بيه على المستشفى حالاً كلمي حسام.
مريم مسكت الموبايل بإيد بتترعش اتصلت بجوزها. حسام رد من أول رنة بصوت طالع بالعافية وسط خبط الكلاكسات:
– أيوة يا مريم؟
– حسام مالك حرارته عالية أوي ومش بتنزل، أنا مرعوبة
صوته اتغير فوراً والتوتر ركبه:
– أنتِ فين؟
– لسه في البيت..
– خدي ليان وانزلي فوراً على المركز الطبي اللي اول الطريق أنا مزنوق في زحمة الكوبري، بس هحصلكم على هناك انزلي يا مريم بسرعة
– حاضر.. حاضر
بعد أقل من نص ساعة، كانت التاكسي بتقف فرملة شديدة قدام البوابة الزجاجية العريضة للمركز الطبي الحديث.
نزلت ليان بسرعة، فتحت الباب، وشالت مالك مع أختها اللي كانت بتعيط ومش قادرة تصلب طولها. ليان مسكت كتف مريم وشدتها بقوة:
– مريم بصيلي هنا.. مالك هيبقى كويس، فاهمة؟
ورغم إن قلب ليان كان بينبض جوه صدرها زي الطبول، هزت رأسها بثبات يقوي أختها. ما كانتش متأكدة من حاجة، بس كانت عارفة إن مريم محتاجة القشة دي تمسك فيها.
دخلوا الصالة الكبيرة، والممرضات أول ما شافوا منظر الولد اتحركوا بسرعة، وشالوه على ترولي وطلعوا بيه على الطوارئ. مريم حاولت تطلع وراهم، بس الممرضة مسكتها:
– معلش يا مدام، استني هنا لحد ما الدكتور يفحص الحالة.
– ابني .
ليان حطت إيدها على كتف أختها وشدتها لحضنها:
– اهدي يا مريم، عشان نعرف نفهم
– أنا حاسة إن فيه حاجة وحشة هتحصل يا ليان
– مش هيحصل حاجة، ادعيله بس
طلعوا علي السلم لغرفه الطوارئ وفجأة… من جوه الأوضة، طلع صوت الصفارة المتقطعة بتاعت جهاز الإنذار (بييب… بييب… بييب!)
مريم شهقت صرخة مكتومة:
– مالك!!
حاولت تزق الباب والممرضة بتمنعها، والدنيا انقلبت هيستيريا وصريخ في الممر… لحد ما قطع كل الهيصة دي صوت واطي، بس حاد وثقيل زي الرصاص:
– فيه إيه هنا؟
الكل اتخرس. الممرضات رجعوا خطوة لورا.
دخل دكتور سليم .
ما كانش محتاج يزعق ولا يرفع صوته عشان يفرض هيبته. مجرد دخوله بالمِشية المتزنة دي والبالطو الأبيض المفرود خلى المكان كله يسكن.
بص للممرضة بنظرة حادة:
– الحالة فين؟
– هنا في غرفة الطوارئ الرئيسية يا دكتور، طفل حرارته عالية وفيه اضطراب في النبض.
دخل سليم الغرفة فوراً، وعمر اللي كان جاي من أخر الممر لمح الهرجلة واتحرك وراه على طول.
سليم وقف جنب السرير، وبص لشاشة المؤشرات في ثانية واحدة… ثانية كانت كفيلة تلخص له الوضع.
– الحرارة كام؟
– أربعين وشوية يا دكتور.
– المحاليل شغالة؟
– أيوة.
– زودوا الكمادات والتبريد بالتدريج، واعملوا لي تحليل دم كامل وفحص مؤشرات التهاب فوراً.
قرب من مالك، حط إيده على قورته بهدوء يطمن، ونزل لمستواه:
– مالك… بطل؟
الطفل فتح عينيه ببطء شديد. سليم ابتسم ابتسامة خفيفة ودافية:
– شايفني؟ شاطر.. متخافش.
التفت للفريق الطبي ونبرته اتغيرت لصرامة قاطعة:
– هننزل الحرارة الأول بالراحة، وبعدين نعرف السبب. محدش يتصرف بعشوائية أو يستعجل..
بره الأوضة، كانت ليان واقفة ضاغطة على إيد أختها، بس عينها كانت متسمرة على الباب الزجاجي. ومن أول لحظة لمحت فيها سليم وهو داخل… حست بحاجة غريبة جواها.
مش حب.. ولا انبهار شكلي بالبالطو والوسامة.
كانت دهشة
دهشة من راجل قدر يدخل وسط المعمعة والفوضى دي كلها، ويهدي الدنيا بنظرة واحدة. ما اتوترش، ما اتقمصش دور البطل، هو ببساطة… كان “أمان” يمشي على قدمين.
مريم هزت إيد ليان وهي بتعيط:
– هو ده دكتور اطفال يا ليان؟
ردت ليان وعينها لسه متعلقة بالباب:
– مش عارفة.. بس شكله فاهم بيعمل إيه كويس.
في اللحظة دي، اتفتح الباب وخرج سليم. اتجه ناحية مريم بثبات:
– حضرتك والدة مالك؟
– أيوة يا دكتور ابني جرا له إيه؟
– متخافيش.. الحرارة بدأت تنزل وحالته استقرت بشكل مبدئي. هنعمل شوية تحاليل ونطمن أكتر.
مريم انهارت في البكاء تاني، بس المرة دي بكاء راحة، وحطت إيدها على قلبها:
– الحمد لله يا رب.. ربنا يريح قلبك يا دكتور
ابتسم سليم ابتسامة هادية:
– ده واجبي.
وبعدين.. التفت لليان.
ولأول مرة… اتلاقت عينيهم بشكل مباشر.
ثانية واحدة، بس كانت أطول من اللحظات العادية.
ليان كانت بتبص له بتركيز حاد، بنظرة بنت بتدرس الراجل اللي قدامها…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفع سليم حاجبه قليلًا، وبدون ما يقصد، فضل باصص لها ثانية أطول.
قطع الصمت صوت مريم وهي بتمسح وشها بإيدها وبتتهز:
– أنا مش عارفة أشكرك إزاي أقدر أقعد جنبه؟ أنا مش هعمل دوشة.
حول سليم عينيه لمريم، ونبرته هادية بس فيها حسم:
– متشكرينيش دلوقتي، وأهم حاجة تفضلي هادية. هتقعدي جنبه بعد شوية، دلوقتي خلّيه يرتاح والفريق يخلّص شغله.
مالك كان جوه، والباب اتساب مفتوح شوية، صوت الأجهزة جوه قل، بس الصفارة ما اختفتش خالص من ودن مريم. سليم بص ناحية باب الطوارئ وكمل:
– مالك هيفضل تحت الملاحظة الليلة دي، ولما التحاليل تظهر هنحدد إذا كان محتاج يفضل هنا أو يقدر يكمل العلاج في بيته.
ليان اتدخلت لأول مرة، وعينيها كانت متسمرة في وشه:
– يعني هو لسه في خطر؟
سليم بص لها، وحط إيديه في جيوب البالطو الأبيض:
– قلت إن حالته استقرت مبدئيًا.
– مبدئيًا؟
– أيوه، لأن الحرارة كانت عالية ولسه مستنيين التحاليل.
عقدت ليان حواجبها:
– طب ليه طمنت أختي وقلت لها متخافش؟ إنت داخل قلت “متخافيش” بسرعة أوي.. على أي أساس؟
ثبت سليم عينيه عليها:
– لأن الخوف مش هيعالج ابنها.
ردت ليان فورًا، وصوتها ما علاش بس كان ناشف زي المشرط:
– بس الحقيقة برضه مش بتتغير لو حاولنا نخبيها أنا مش هسيبها تتعلق بجملة طمأنة وتفرح، وتقوم تقع تاني. لو في احتمال وحش، قوله. لو مش متأكد، قول.. متلعبش دور اللي ماسك الدنيا بإيده
الممرضة اللي وراه رفعت حاجبها بذهول، ومريم همست برعب:
– ليان… مش دلوقتي
ليان ما التفتتش، فضلت مكملة بنبرة فيها تحدي صريح:
– دلوقتي بالظبط. التخمين مش شغلنا يا دكتور سليم، شغلنا نطمن. والأهم نطمن إن انك دكتور أطفال، مش مهندس بيتعامل مع آلات بتقرأ مؤشرات على شاشة. الولد كان مرعوب، وحضرتك نازل أوامر وتوجيهات للتمريض .
عمر الشريف، اللي كان واقف على بُعد خطوات، رفع حاجبه وهو بيتابع الحوار، وبص لسليم وبعدين للبنت، وكأنه بيقول لنفسه: -أوبا! فيه حد هنا بيخبط في السقف وسليم مابيرحمش.. بدأنا بدري أوي.
سليم أخد نفس هادي، وقرب منها خطوة واحدة. مش تهديد، تقدير مسافة. طاطا رأسه شوية عشان يجي مستوى عينيه في مستوى عينيها بالضبط، وعيونه كانت ثاقبة زي الصقر، وصوته نزل لطبقة أوطى وأحدّ:
– “الآلات” اللي مش عاجباكي دي هي اللي أنقذت حياة ابن أختك من تشنج حراري كان ممكن يأذيه. والصرامة اللي شايفاها هي الفرق بين دكتور بيسيطر على الأزمة، ودكتور بيعيط جنب أهل المريض. أنا ما بلعبش أدوار يا آنسة، أنا شوفت مؤشرات واستجابة أولية للمحلول والتبريد وقلت اللي قدامي، مش تخمين. لو مكنتش متأكد كنت قلت “نستنى”.
ليان ما تحركتش، ولا رمشت قدام نظرته القوية. شابكت إيديها قدام صدرها كأن جسمها بقى سور، وابتسمت ابتسامة سخرية مريرة:
– السيطرة مش معناها الجمود يا دكتور. السيطرة إنك تدي أمان… والأمان مش بس دوا ومحاليل، الأمان إحساس. وحضرتك مش بتعطي الإحساس ده، حضرتك بتفرضه بالقوة. الضمان مش رفاهية، أنا شوفت ناس اتطمنت بجملة وبعد ساعتين الدنيا اتشقلبت، فلو هتتكلم معايا، اتكلم بالرقم مش بالإحساس.
الهوا في الممر وقف ثانية. اتنين واقفين قصاد بعض وسط ممر أبيض، وصوت التكييف بس هو اللي ماشى.
سليم رجع فرض طوله وبص لها ببرود:
– الإحساس مش بيكتب في الروشتات يا آنسة… أنا بديكِ قراءة طبية مش عقد تأمين، بس النتائج هي اللي بتبان. مالك هيطلع على غرفة الملاحظة، وتقدروا تتفضلوا معاه.
لف عشان يمشي، بس قبل ما ياخد خطوتين، ليان قالت بصوت حاد ورنان:
– النتائج مهمة طبعاً… بس الأسلوب هو اللي بيخلينا نأمن على أرواحنا عندكم. شتان بين المهارة… وبين الرحمة يا دكتور سليم.
سليم وقف في مكانه. ما لفش، بس ظهره اتشد. عمر قرب منه وغمز له بضحكة مكتومة:
– شكل الجولة الأولى انتهت بالتعادل يا حكيم… ولا أقولك؟ البنت كسبت نقطة بالضربة القاضية
سليم بص لـ عمر بنظرة حادة خلت عمر يكتم ضحكته ويغطيها بإيده فورًا، وبعدين التفت سليم لليان . المرة دي ما ابتسمش، بس عيونه كانت مسجلة ملامحها بدقة.
– اسمكِ إيه؟
يتبع



