امان مستعار

بس جريت حضنته.
ومن يومها، فهمت ليان إن الحب لوحده مش دايمًا بيحمي.
—
رجعت ليان للحظة الحالية على صوت سلمى:
– ليان؟
رفعت عينيها لها.
– ها؟
– إنتِ كنتِ فين؟
تنهدت ليان.
– في زمان بعيد.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
– أنا اتعلمت بدري إن الحب حلو… بس الأمان أهم.
سلمى هزت راسها:
– يعني لو جه واحد بتحبيه ومش معاه فلوس هتعملي ايه ؟
ردت ليان من غير تردد:
– بعيد بعيد عني .
شهقت سلمى:
– يا بنتي
ضحكت ليان:
– إيه؟ هو أنا ناقصة وجع قلب؟
– يعني ممكن ترفضي واحد كويس علشان مش غني؟
– مش لازم غني.
سكتت لحظة، ثم قالت بجدية:
– بس لازم يكون مستقر. عنده شغل، وعارف هو عايز إيه، ويقدر يشيل مسؤولية بيت.
ابتسمت سلمى بمكر:
– واضح إن مواصفات العريس عندك طويلة.
– جدًا.
– طب والحب؟
بصتلها ليان للحظة.
– الحب ييجي بعد الأمان.
قالتها بثبات…
لكنها ما كانتش تعرف إن الحياة هتثبت لها بعد وقت قصير إن بعض القواعد اللي بنبني عليها حياتنا، ممكن تنهار في لحظة واحدة.
—
فجأة، رن موبايل ليان.
بصت للشاشة.
بابا.
ابتسامتها اختفت.
فتحت الخط بسرعة:
– ألو؟ بابا؟
جالها صوته من الناحية التانية، لكنه كان مختلف.
هادئ زيادة عن اللزوم.
– إزيك يا حبيبتي؟
– كويسة… إنت كويس؟
سكت ثانيتين.
الثانيتين دول كانوا كفاية يخلو قلبها ينقبض.
– أنا كويس يا لولو، بس…
– بس إيه؟
– لما ترجعي البيت نتكلم .
ليان وقفت مكانها.
– ليه؟ حصل حاجة؟
– لا، مفيش حاجة.
– بابا، صوتك مش طبيعي.
حاول يضحك:
– خلصي بسرعه وتعالي نتكلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في نفس الوقت…هناك
في المركز الطبي الحديث اللي كان عامل زي خلية نحل مش بتهدى.
أصوات جزم الأطباء بتخبط بسرعة في البلاط، الممرضات طالعين نازلين بالتقارير والمحاليل، أجهزة القلب بتصافر بنغمة منتظمة في الأروقة، والناس رايحة جاية… دوشة تحسسك إن العالم كله بيجري ورا الوقت.
ورغم كل المهرجان ده بره، كان فيه باب في أخر الممر… وراه عالم تاني خالص.
مكتب الدكتور سليم فؤاد.
سليم قاعد ورا مكتبه الخشب الفخم، حوليه جبل ملفات وتقارير طبية، عينيه بتتحرك بين السطور بتركيز يرهب.
هدوؤه مش عادي… هدوء هيبة، من النوع اللي يخلي اللي قدامه غصب عنه يظبط وقفته ويحاسب على كلامه. سليم مش من الدكاترة اللي يترعبوا لو الحالة اتعقدت، بالعكس… كل ما الدنيا تتقلب، كل ما هو يزداد ثبات وجمود، كأنه بيتغذى على التحدي.
مسك القلم، كتب ملاحظة سريعة على حرف التقرير، ورجع ظهره لورا وهو بيهز راسه بالراحة:
– النسبة دي مش مظبوطة خالص… فيه حاجة غلط في التحليل.
سرح في الورقة ثواني، وقبل ما يقلب الصفحة، الباب اتفتح على البحري من غير ولا خبطة
دخل الدكتور عمر الشريف، حاطط إيد في جيب البالطو، والإيد التانية ماسكة كوباية قهوة بتطلع بخار. وقف قدام المكتب، وبص لسليم بنظرة فيها غلظة وملاغاة صحاب:
– صباح الخير يا سيادة المدير الصارم
سليم ما رفعش عينه من الورق حتى:
– صباح النكد يا عمر.
عمر ضحك وقعد على الكرسي ببرود، وحط رجلاً على رجل:
– نكد؟! بقى أنا داخل عليك بوشي السمح ده وتقولي نكد؟ ده أنا جايبلك طاقة إيجابية تكفي المركز كله
– أرجوك احتفظ بالطاقة دي لنفسك، بتجيلي على هيئة صداع نصفي.
– ظلم صريح
رفع عمر كوباية القهوة وقال بانتفاخ وثقة:
– أنت قدامك دكتور محترم، ناجح، وسيم، ومحبوب من كل الكادر الطبي والمرضى…
رفع سليم عينه بالبطيء، وبصله بنظرة حادة زي المشرط:
– خلصت خطبة الجمعة؟
– لسه فيه حتة صغيرة.
– طب كمل يا أخويا عشان نشوف آخرتها معاك.
عدل عمر ياقة البالطو وقال بفخر حقيقي:
– أنا “عمر الشريف” بتاع الجيل الجديد يا ابني… الكاريزما دي حرام تدفن جوه أوضة عمليات
سليم ابتسم بسخرية وهو بيهز راسه:
– أنت محتاج تتحول لدكتور نفسي يا عمر… بس مش عشان تعالج الناس، عشان تعالج نفسك من حجم الثقة اللي هيفرقع منك ده.
انفجر عمر بالضحك لحد ما القهوة كانت هتقع منه:
– والله أنت أكتر واحد في الدنيا بيعرف يفرقع البالونة
– وأنا أكتر واحد مستحمل جنونك، فاحمد ربنا.
– دي حقيقة أعتز بيها.
سكت عمر ثواني، ومال بجسمه لقدام، والضحك اختفى تدريجيًا من وشه:
– بس بجد يا سليم… أنت ناوي تفضل دافن نفسك هنا؟
سليم حجب نظره عنه:
– هنا فين؟
– جوه السجن الأبيض ده. أجي الصبح ألاقيك، أمشي بالليل ألاقيك، أطب الفجر ألاقيك قاعد نفس القعدة أنت حتى القهوة بتشربها وهي تلج من كتر ما بتنساها
سليم مسك الكوباية اللي جنبه، بص فيها ولقاها فعلاً بردت من بدري. ابتسم ابتسامة باهتة:
– ما خدتش بالي.
عمر هز راسه بأسى وصدمة حقيقية:
– شايف؟ دي مأساة أنت نسيت شكل الشارع يا سليم.. محتاج تعيش شوية يا صاحبي.
– وأنا عايش أهو.. نفس طالع ونازل.
– لأ أنت بتشتغل.. فيه فرق بين إنك تشيل مسؤولية الناس، وبين إنك تنسى إنك بني آدم.
سليم سكت. الهدوء ساد بين المكان، وعمر كان أكتر واحد فاهم إن صاحبه مش مجرد دكتور شاطر وشغوف… عمر عارف إن ورا الهدوء والصلابة دي، جبل من الأسرار القديمة، حاجات سليم مش بيسمح لأي مخلوق يهوب ناحيتها.
عمر قال بصوت واطي ودافي:
– الشغل مش كل حاجة يا سليم.
– عارف.
– طب إمتى هتدي لنفسك فرصة تتنفس؟
– لما ألاقي وقت.
– والوقت هتلاقيه فين وأنت بتجري وراه وماسك ساعة إيقاف؟
ما ردش سليم. عينيه سارحة في نقطة بعيدة في الفراغ… السؤال خبط في حتة مكشوفة جواه، حتة هو بيهرب منها بطاقة الشغل الخرافية دي.
وفجأة، اتكسر السكون بخبط متوتر وسريع على الباب.
الباب اتفتح بلهفة، ودخلت الممرضة وشها أصفر وملامحها مرعوبة:
– دكتور سليم
سليم قام واقف في أقل من ثانية:
– في إيه؟
– الحالة اللي في الطوارئ… الضغط وطي .
– الضغط كام؟
– سبعين على أربعين ونازل
– والنبض؟
– مش منتظم وبيقف ساعات .
سليم سحب الملف من إيدها وهو بيتحرك بلمح البصر:
– جهزوا أوضة العناية رقم ٢ فورًا
عمر قام وراه بنفس السرعة والجدية، واختفت روح الهزار تمامًا:
– أنا معاك يا سليم.
خرجوا للممر، والخطوات السريعة كانت بتسمع في السقف.
– جهزوا 3 وحدات دم بسرعة
– حاضر يا دكتور
دخل سليم غرفة الطوارئ، تحول تمامًا لشخص تاني… شخص ما يعرفش غير لغة الحياة والموت. قرب من السرير، عينيه بتلمح المؤشرات بسرعة خرافية.
– سامعني؟ يا حاج
المريض مش حاسس بالدنيا. بس سليم مفيش في قاموسه يأس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




