امان مستعار

ـــــــــــــــــــــــــــ
داخل أروقة المركز الطبي الحديث، كان الجو يغلي بالتوتر بعد تلك المواجهة الأولى و الحامية في الممر. اتقفل الباب الزجاجي لغرفة الطوارئ ورا سليم وعمر، بينما فضلت ليان واقفة بره، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بينبض بسرعة، وعينيها متسمرة على المكان اللي اختفى فيه سليم.
جوا الغرفة، كان العالم مختلف تمامًا؛ نغمة منتظمة، و أحيانًا متسارعة، لأجهزة المراقبة، حركة التمريض السريعة، وأصوات الأطباء اللي بتتداخل بصرامة. وقف سليم جنب سرير الطفل “مالك”، عينيه الثاقبة بتتحرك بين شاشة المؤشرات والطفل المستلقي بضعف.
– النبض بدأ ينتظم، والضغط اتحسن… خمسة وتسعين على ستين.
قالتها الممرضة وهي بتناوله التقرير الأولي.
هز سليم راسه بهدوء، ومد إيده يراجع الأرقام بتركيز يرهب كل اللي حواليه. هدوئه ده ما كانش مجرد برود طبي، ده كان ساتر بيبنيه بذكاء عشان يداري بيه وجع قديم، ألم دفين من ماضي بيطارد روحه، وخوف خفي من إنه يفشل في حماية روحه تاني.
– كويس… كملوا المراقبة، وخلي التحليل الإضافي يطلع بأسرع ما يمكن.
عمر كان واقف الناحية التانية من السرير، بيتابع رسم القلب، لكن عينيه كانت بتتنقل كل شوية بين سليم والباب الزجاجي. ابتسم عمر ابتسامة عريضة، رمى الملاحظات من إيده، وقال بصوت واطي مليان ملاغاة:
– على فكرة… البنت اللي بره دي قايدة نار.
سليم ما رفعش عينه من التقرير:
– ركز في الحالة يا عمر.
– أنا مركز والله، بس ما ينفعش نتجاهل المواهب الجبارة اللي بتقتحم المركز دي أول مرة أشوف حد يقف قدامك بالشكل ده… البنت دخلت عليك بالأسئلة، وخرجت باعترافات، وفي الآخر خليتك تقول جملة حكيمة زي: “الطمأنينة السريعة بتوجع أكتر من الخبر الوحش”
سليم قفل الملف بضربة مكتومة أحدثت صوتا رنانًا، و بص لـعمر بنظرة حادة زي المشرط:
* أنت كنت بتسمعني و واقف تتفرج؟
– و ماله يا سيدي… وبصراحة؟ عجبتني جدًا، لأنها ببساطة ما خافتش منك.
سليم رجع بص لمالك و نبرته هديت:
– هي كانت خايفة على ابن أختها… الخوف بيخلي الناس تهاجم عشان تدافع عن نفسها.
عمر قرب خطوة ومال بجسمه:
– وأنا بتكلم عنك أنت أغلب الناس أول ما يسمعوا صوتك بيترعبوا ويقولوا “حاضر يا دكتور”، حتى لو مش فاهمين، لكن “ليان” واقفة بتبص لك كأنها بتبص لحيطة سد خايفة تتسند عليها فتقع بيها…. البنت دي ما بتوثقش في حد بسهولة.




