امان مستعار

نظرت إليه ليان طويلا. كان صمته والنار المخبوءة في عينيه أبلغ من مئة تصريح. رأت العشق الصامت الذي يحاول خنقه، والرعب الأعمق الذي يكنه.

مسحت دموعها بظهر يدها المرتعشة، وقالت بصوت خافت يحمل قرارًا لا رجعة فيه:

ـ مجرد دعم وإنسانية… تمام يا دكتور سليم. شكرًا على كل حاجة.

فتحت باب السيارة بسرعة ونزلت، وأغلقت الباب بقوة شقت سكون الشارع، واستندت لثواني على شجرة قريبة ليلتقط قلبها المكسور أنفاسه. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط نار الاتهامات والشكوك وتحذيرات والدها… حسمت ليان أمرها داخل سرها بنبضة حاسمة:

(لقد وقعت في حب هذا الرجل… أحبته بكل عيوبه، و بشكوكه القاتلة، وبفارق السن، و بأغلال عائلته المظلمة. أحبته رغم كل منطق، ورغم النار التي توعدها بها والدها).

استدرك سليم ندمه فورا، فنزل من السيارة وتبع خطواتها المبتعدة حتى باب المكتبة. وقف أمامها قريبًا جدًا، لدرجة أنها استنشقت عبير عطره الفخم الذي يربك أنفاسها. قال بصوت منخفض فيه حسم ودفء مكتوم:

ـ ادخلي اجمعي كتبك و أوراقك… وأنا مستنيكي برة عشان أوصلك. ومش هسيبك تمشي لوحدك تاني يا ليان… مهما حاولتي تبعدي.

ثم نظر في عينيها مباشرة و أضاف بهدوء يحمل وعدا خفيا:

ـ ومهما حصل… متخليش خوفي أو خوف والدك يخليكي تاخدي قرار عني قبل ما تعرفي الحقيقة.

ردت عليه ليان وهي تضع يدها على باب المكتبة بنبرة لامست أعمق نقطة في قلبه:

ـ وأنت يا سليم… متخليش خوفك من الحقيقة يخليك تخسرني قبل ما تديني فرصة أعرفها.

نزلت الكلمات عليه كالمخدر، وظل ساكنا يتابعها بعينيه وهي تدخل المكتبة وتختفي خلف أبوابها.

وضعت ليان يدها على صدرها المخفوق و همست لنفسها برعب وحب دافق:

ـ أنا وقعت فيه… يا ترى يا سليم، هتكون الأمان اللي لقيته؟ ولا الأمان اللي هخسره لما أعرف الحقيقة؟

أما في الجهة الأخرى من الشارع، فكان سليم يقف بجوار سيارته، يمسح على وجهه بإرهاق شديد، وينظر إلى زجاج المكتبة بنظرة تشتعل عشقا و إصرارًا، وهمس لنفسه بقلة حيلة وبصوت مكسور:

ـ جيتي عشان تقفلي الملف و تديني ظهرك يا ليان؟… بس الحكاية بيننا لسه ما ابتدتش عشان تتقفل. أنا كنت فاكر إني أقدر أبعدك عني… بس الظاهر إن المشكلة إني بقيت مش عارف أبعدك عن قلبي.

بدأت ظلال الشكوك تتسرب زي السُمّ و تترامي بتُقلها على العلاقة الصامتة المحبوسة بين ليان وسليم. ورغم إن سليم كان بينحر في نفسه عشان يحافظ على مسافة عقلانية باردة تفرضها عليه وساوسه، وخوفه القاتل من فارق السن اللي بينه وبينها، ومن الوجع اللي ممكن يسببهولها… إلا إن كل جدار دفاعي كان بيبنيه كان بيبتدي ينهار قدام أول نظرة منه ليها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *