امان مستعار

مقدمة الفصل الثاني 🩷
(في هذه الحياة، ليس أصعب شيء أن تواجه الخطر… بل أن تختار بين كذبة تُطمئنك وألمٍ يُنقذك. بعضهم يبني حوله سورًا من الهيبة والصمت حتى لا يصل إليه أحد، وبعضهم يقف أمام السور نفسه ويرفض أن يصدق أي كلمة جميلة. لكن القدر لا يرحم حين يضع هذين النوعين في مواجهة واحدة؛ حين تصبح الحقيقة أثقل من أن تُقال، والأمان أغلى من أن يُشترى، ويبدأ قلبان متشابهان في الشك أن يعترفا ببعضهما… قبل أن يكتشف كلاهما أن الماضي الذي دُفن منذ سنين قد بدأ يتنفس من جديد.)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الثاني
«أول شرخ في الجدار»
– اسمي ليان.
– واضح إن عندك أسئلة كتير يا ليان، وإنك بتحبي تجادلي.
رفعت ليان ذقنها قليلًا:
– لما الموضوع يخص حد بحبه؟ آه. ولما أكون خايفة عليه… بس ده مش معناه إني هسكت.
سليم ثبت عينيه في عينيها:
– حتى لو الشخص اللي قدامك فاهم أكتر منك؟
– لو فاهم، يشرحلي.
– ولو مفيش وقت للشرح؟
ردت ليان من غير تردد:
– يبقى هسأل وأنا بجري وراه.
لأول مرة، ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على طرف فم سليم. مش ابتسامة إعجاب، ابتسامة شخص لقى قدامه حد مش سهل.
– تمام.. أنا مش هقعد أبررلكِ كل قرار. لو عايزة تفاصيل، ادخلي معايا المكتب هشرحلكِ التحليل، الاحتمالات، والخطة. من غير تجميل ومن غير دراما.. ولو لقيتي كلام إنشائي، ساعتها قومي وازعلي.
ـ طب ولو الشرح ما عجبنيش؟
ـ ساعتها تسألي سؤال تاني. مش هتلاقي حد هنا بيزعل من السؤال، اللي بيزعل منه هو العشوائية. وإنتِ صح في حاجة… الطمأنة السريعة بتوجع أكتر من الخبر الوحش .
ليان حست إن الجملة دي لمست حتة جواها ما كانتش مستعدالها. اعتراف صريح منه.
– هدخل المكتب. بس زي ما قلتلك، مش هدخل أختي في أمل فاضي.
وقبل ما سليم يرد، خرجت ممرضة بسرعة من غرفة الطوارئ:
– دكتور سليم! التحليل الأولي ظهر، وفيه مؤشرات التهاب مرتفعة جدًا
مريم شهقت وحطت إيدها على قلبها:
– يعني ابني عنده إيه؟!
سليم رفع إيده بهدوء:
– مبدئيًا مش هنحكم قبل ما نكمل الفحوصات.
ليان لاحظت التغيير السريع في عينيه؛ من الهدوء للتركيز القاتل، ولقطت لمعة قلق خفيفة أخفاها بسرعة. سألته:
– يا دكتور… فيه حاجة خطيرة؟
سليم بص لها، ثواني قليلة مرت بين عينيهم، وقال بشفافية:
– لسه مش عارف.
التفت للممرضة بصرامة:
– جهزي الجرعة المطلوبة، واطلبي تحليل إضافي فورًا.
تحرك بسرعة ناحية الغرفة، وقبل ما يدخل، وقف وبص لليان من فوق كتفه:
– وبالمناسبة يا ليان… المرة الجاية اسألي براحتك، بس متعطليش شغلي. ويا ليان… الولد هيبقى تحت نظرى مباشرة، مش محتاجة تفضلي واقفة كأنكِ الحارس الوحيد في المبنى.
ليان اتفاجئت، بس ردت بنبرة متحدية:
– والمرة الجاية، جاوبني من غير ما تتعامل معايا كأني مش فاهمة.
عمر بص لسليم وانفجر ضاحكًا:
– يا دكتور… دي أول مرة حد يرد عليك من غير ما يفكر مرتين.
سليم بص له ببرود:
– عمر.. ادخل شوف التحاليل بدل ما تتفرج.
– حاضر يا سيادة المدير
دخل عمر وسليم واتقفل الباب الزجاجي.
مريم بصت لأختها وابتسمت رغم خوفها:
– إنتِ كنتِ بتتخانقي مع الدكتور اللي لسة منقّذ ابني؟ هو شكله كان هادي أوي
ليان سحبت نفس طويل، ولأول مرة رجليها حسّت بثقل، وبصت للباب وقالت:
– مش بتخانق، هو اللي مستفز.
ومن خلف باب الطوارئ، كان سليم بيراجع الفحوصات وهو بيعدل بالطوه، وللمرة الأولى يفكر في مريضة أو مرافقة قابلها لدقائق:
– البنت دي مش سهلة، ومش بتسمع الكلام وخلاص.
أما ليان، فكانت واقفة برة بتفكر في الراجل اللي متعود إن الكل يرضخ لأوامره… وهي، مستحيل تكون من النوع ده.
المكتب كان مستني، والساعة الجاية مش هتبقى مجرد كشف طبي… هتبقى أول مواجهة حقيقية بين بنت عمرها ما وثقت في كلمة “متخافيش”، وراجل شغلته إنه يقولها في الوقت الصح.





